البث المباشر الراديو 9090

طرح الكاتب هاني لبيب رئيس تحرير موقع "مبتدا"، عدة أسئلة تتعلق بأزمة قطع الأشجار، خلال برنامج "نقطة ومن أول السطر".

وتساءل رئيس تحرير "مبتدا" متعجبا: شجرة عمرها عشرات السنين… تتقطع في دقائق! رغم أنها احتاجت سنوات طويلة حتى تصل إلى الحجم والشكل الذي يجعلها جزءًا من المشهد العام في الشوارع.

وتساءل هاني لبيب، هل قطع الشجرة هو الحل الوحيد والسهل والسريع؟، موضحا أن الرئيس عبدالفتاح السيسي وجه الحكومة بزيادة المساحات الخضراء، وتشجير الطرق والمحاور الرئيسية، وزراعة الأشجار المتنوعة، والاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة في الري، خصوصًا في المدن الجديدة.

وأشار هاني لبيب، إلى أنه تبرز مفارقة تتمثل في أن أصغر موظف أو مسؤول قد يتخذ قرارًا بقطع شجرة، بينما توجهات رئيس الدولة تدعو إلى زراعة المزيد من الأشجار وزيادة المساحات الخضراء، وهو ما يطرح تساؤلًا حول المسؤول عن قطع الأشجار في شوارع القاهرة والجيزة، والجهة التي يجب أن تتحمل مسؤولية هذا القرار.

وتابع: جود أشجار لسنوات طويلة في الشارع لا يعني أنها مجرد عنصر تجميلي، فالشجرة الكبيرة توفر ظلًا طبيعيًا، وتساهم في تخفيف درجات الحرارة، وتحسين البيئة، وتقليل الإحساس بتشويه الكتل الخرسانية، وفي بلد مثل مصر، التي تواجه ارتفاعًا في درجات الحرارة وتغيرات مناخية صعبة، لا تمثل المساحات الخضراء رفاهية، وإنما تعد جزءًا من البنية التحتية البيئية.

وأكد رئيس تحرير "مبتدا" أنه عندما تُقطع شجرة كبيرة، فإن الخسارة لا تقتصر على شجرة واحدة، وإنما تمتد إلى سنوات من النمو وقيمة بيئية يصعب تعويضها بسرعة، وتبرز مفارقة مهمة جدا، تتمثل في الحديث عن أن الشجرة الجديدة تحتاج إلى نحو 20 عامًا تقريبًا حتى تصل إلى حجم وتأثير الأشجار التي نراها اليوم، في الوقت الذي قد نخسر فيه أشجارًا لا يقل عمرها عن 40 أو 50 عامًا.

وأكد رئيس التحرير، أن زراعة كل شجرة جديدة مسألة مهمة جدًا، لكن الحفاظ على شجرة موجودة منذ عشرات السنين يعد أكثر أهمية وأسرع من حيث التأثير.

وأوضح أن القول «هنزرع بدلها» لا يمثل دائمًا إجابة كافية، إذ يمكن إصدار قرار بزراعة 10 أشجار مكان شجرة واحدة، لكن هذه الأشجار العشر تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تقدم الظل والتأثير البيئي نفسيهما اللذين كانت توفرهما الشجرة القديمة، ولا يعني ذلك أن كل شجرة ممنوع قطعها، إذ توجد حالات قد يكون فيها القطع ضروريًا، مثل أن تكون الشجرة مريضة، أو تمثل خطرًا على المواطنين، أو تتعارض بشكل لا يمكن حله مع مشروع ضروري، وهنا يبدأ دور المحليات الحقيقي، والمتمثل في الشفافية.

وأضاف هاني لبيب، إذا كانت الشجرة لا بد من قطعها، يجب معرفة الأسباب والتفاصيل، وما إذا كان قد جرى بحث بدائل للقطع، وما إذا كان هناك تصريح من الأساس، كما يطرح الأمر تساؤلًا حول سبب عدم التفكير في نقل الشجرة من مكانها إلى مكان آخر، كما يحدث في أوروبا، بدلًا من قطعها.

وتابع، يجب كذلك معرفة ما إذا جرى تعويض مكان الشجرة بالفعل بزراعة مناسبة، وفي المكان المناسب، وبنوع قادر على النمو في الظروف المناخية للمنطقة، والأهم من ذلك هو معرفة المسؤول عن القرار، إذ لا يمكن أن تنتهي المسألة عند العامل الذي نفذ عملية القطع، لأن العامل ينفذ تعليمات.

واستكمل: من هنا يبقى السؤال الحقيقي متعلقًا بمصدر اتخاذ القرار: من أصدر التعليمات؟ ومن اعتمدها؟ ومن راقب تنفيذها؟ وإذا حدث قطع من دون مبرر، فمن الذي سيحاسب؟ ومن الجهة التي ستتولى محاسبته؟

وقال إن التوجه الحكومي المعلن يتحدث حاليًا عن حصر الأراضي الحكومية وتحويلها إلى مساحات خضراء ومتنزهات، وزيادة الرقعة الخضراء في المدن الجديدة، وإنشاء حدائق عامة، وتحسين وتجميل الكباري، وبذلك، نحن أمام سياسة معلنة هدفها زيادة المساحات الخضراء، وهو ما يجعل السؤال عن الأشجار القديمة الموجودة بالفعل سؤالًا مشروعًا ومهمًا، خصوصًا مع وجود ربط بين هذا الملف وملف الفحم النباتي.

وقال هاني لبيب، إن صادرات الفحم النباتي في مصر شهدت قفزة كبيرة، من نحو 3 ملايين دولار في عام 2023 إلى نحو 16.5 مليون دولار في عام 2026، فيما يتم إنتاج الفحم النباتي في الأساس من الأخشاب بعد تجفيفها وتفحيمها.

وأشار إلى ان مصر تضم مئات الشركات المسجلة في مجال تصدير الفحم النباتي، ويتم تصديره إلى أسواق من بينها تركيا وإسرائيل واليونان وإيطاليا، وبالتزامن مع تكرار الحديث عن قطع الأشجار في شوارع القاهرة والجيزة، ربط البعض بين الأمرين، وقالوا إن أخشاب الأشجار المقطوعة قد يتم استخدامها في إنتاج الفحم النباتي وتصديره إلى الخارج، إلا أن هذا الكلام لا يوجد عليه دليل واضح، ولذلك تبرز أهمية تتبع مصير الأخشاب بشكل واضح وشفاف، منذ لحظة قطع الشجرة وحتى المكان الذي تذهب إليه الأخشاب واستخدامها النهائي.

وتابع رئيس التحرير، إذا كنا نتحدث عن الأشجار باعتبارها ثروة عامة، فإن كل قطعة خشب فيها يجب أن يكون مصيرها معروفًا، والحفاظ على الأشجار ليس مسؤولية بيئية فقط، وإنما يمثل أيضًا حماية لثروة قومية، وبالتالي يجب معرفة مصيرها منذ لحظة قطعها وحتى آخر استخدام لها.

وأوضح ن الشجرة التي زُرعت منذ عشرات السنين ليست ملكًا لأحد حتى يقرر مصيرها في لحظة، وإنما هي ملكية عامة وحق للأجيال المقبلة، وإذا كان الهدف فعلًا هو جعل القاهرة والجيزة مدنًا خضراء وأجمل، فإن البداية لا يجب أن تكون فقط بزراعة أشجار جديدة، وإنما البداية الحقيقية هي الحفاظ على الأشجار التي لا تزال موجودة منذ سنوات طويلة.

واختتم هاني لبيب، حديثه بأن التطوير الحقيقي لا يعني أن نبدأ من جديد في كل مرة، وإنما أن نطور ونحافظ في الوقت نفسه، والشجرة التي نحافظ عليها اليوم هي ثروة بيئية للأجيال القادمة.