البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
إن حرية التفكير المكفولة للجميع فى أن يكون لهم آرائهم وقناعاتهم الشخصية، ليس لها معنى بدون "حرية التعبير"، فإذا كانت فلسفة ديكارت تردد: "أنا أفكر إذاً أنا موجود" فسيجيبها سقراط من أعماق الحضارة الإغريقية التى ظهرت فيها حرية التعبير: "تكلم حتى آراك".

فإذا كان لى مطلق الحرية فى تكوين آرائى، فينبغى أيضاً أن تكون لى الحرية فى التعبير عنها لكن بعيداً عن استخدام الشتائم أو التشهير، كما يصفها الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كى مون: "تمثل حرية التعبير حقاً من أثمن حقوقنا، فهى الركيزة التى تقوم عليها كل حرية أخرى".

لقد منحت شبكات التواصل الاجتماعى فى الآونة الأخيرة جزءاً من ذلك عن طريق حرية نقل وتداول المعلومات، وبالطبع تبادل الآراء، ومنذ أن أقر التعديل الأول للدستور الأمريكى فى 15  ديسمبر 1791 حماية دستورية لحرية التعبير، حظر على الكونجرس الأمريكى سن التشريعات التى تقيض حرية التعبير، وقد نصت المادة 19 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان على حرية التعبير، والتى تنص عليها الآن معظم دساتير دول العالم.

حرية التعبير تؤكد على الحريات الممنوحة، وتزيد من مدى ومجال الأفكار المطروحة لانتقاء الأفضل، وتشذبها المعايير المهنية والأخلاقية للإعلام لتكوين هيكل أساسى لحرية التعبير، حتى يصبح المجتمع بأكمله شريكاً فى العملية الديمقراطية.

إلا أن حرية التعبير ينبغى أن تخلو من خطاب "الكراهية"، وإلا تحولت إلى حديث عدائى وربما يكرس للطائفية، ويدعو إلى الحروب والفتن مثلما يحدث فى الحروب الأهلية فى العالم الثالث.

من الأمثلة الواضحة على التحول فى الخطاب الغربى بعيداً عن الكراهية هى أنه فى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كان المجتمع الأمريكى سواء من البيض أو السود، الكاثوليك أو البروتستانت ينظرون إلى اليهود بتعصب ودونية كدخلاء على المجتمع، كما كانت الصحافة تشير بدون أدلة إلى تآمرهم واستغلالهم لبعض المصالح والمنظمات الأمريكية الوطنية، وقد كانت تلك الصورة أعنف فى المجتمع الأوروبى حيث كانت كراهية اليهود هى القاعدة، وقد عبر الأدب الإنجليزى عن ذلك فى واحدة من أشهر كلاسيكياته مسرحية "تاجر البندقية" لوليام شكسبير، والتى على الرغم من روعتها الدرامية وتميزها الفنى، إلا أنها تصادف أن تقدم لنا شخصية "شايلوك" التاجر اليهودى المرابى الشرير الذى يريد الانتقام من "أنتونيو" ويتآمر على حياة بطل المسرحية النبيل، مما يأخذه عليها البعض فى أنها بذلك قد وقعت فى براثن القولبة والتنميط.

أما الآن فقد تغيرت أوضاع حرية التعبير واشترطت الخلو من الكراهية والتعصب الأعمى، مع وجود بعض الأعراض والهواجس الأخرى مثل "الإسلاموفوبيا"، ومنذ أوائل الثمانينيات ظهرت فى أمريكا فئة جديدة من الجرائم حيث مرر الكونجرس والعديد من المجالس التشريعية قوانين لمكافحة جرائم الكراهية نتيجة لعمل جماعات التأثير والضغط.

يمكن للكثير من دول العالم وخاصة ما يسمى بدول العالم الثالث التى تموج بالفئات والطوائف المتعددة، وأيضاً الفتن والاضطرابات أن تتبنى سياسات تجريم الكراهية، وأن يكون النقد وحرية التعبير بالطبع مكفولان على الموضوعية وليس على الكراهية للآخر التى تجعل الحديث عنه ذم وهجاء وليس حرية تعبير، وفى نفس الوقت تكرس للانشقاقات والفتن والتى هى مشكلة تلك الدول والتى يجب أن تجد سبيلاً قانونياً لحلها، ومن ثم حفظ الأمن العام بدولها.

الخطاب الغربى ربما تخلص إلى حد كبير من الكراهية لكنه بالطبع مازال يمتلك خطاب "التحيز" للدفاع عن المصالح الاستراتيجية، وتهويل مدى قمع الحريات فى المعسكر الشرقى السابق، بل يمتد ذلك ليشمل بعض الاختيارات المتحيزة لجائزة نوبل فى السياسة، إلا أنه يكفر بعض الشىء عن خطاب التحيز عن طريق خطاب "الشفافية" بقدرتها على الاعتراف والإفصاح عن الأخطاء مثل حرب فيتنام، وحرب العراق.

 
تابعوا مبتدا على جوجل نيوز