البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
التقيت منذ أيام أحد الأصدقاء مصادفة، وقال لى إنه كان ينوى الاتصال بى واقترح أن نحتسى القهوة لنتحدث قليلًا، إذ أنه يحتاج إلى مشورتى فى أمر يخص استثماراته، قبلت دعوته بشرط اتباع الإجراءات الاحترازية، تلك الإجراءات التى فرضتها علينا تداعيات فيروس كورونا اللعين.

تحدثنا فى بداية اللقاء كعادة لقاءات هذه الأيام، عن عدد الإصابات بالفيروس، وتداعيات تأثير كورونا على الناس فى جميع أنحاء العالم، والخوف لدى قطاع من المصريين من كورونا، ولا مبالاة قطاعات أخرى به، وعدم التزامهم بإجراءات السلامة الاحترازية، والجهد الكبير الذى تبذله الدولة بأجهزتها المختلفة لمجابهة تداعيات الفيروس، وتوقعات الموجة الثانية منه وسلالته الجديدة.

سألت صديقى عن المشكلة التى يعانى منها فى مجال أعماله، وماهى الاستشارة التى ينتظرها منى، قال إن شركاته تعانى شأنها شأن معظم المؤسسات، من تراجع الأعمال، وتدنى الإيرادات، وتوقف حركة البيع، وأن ما يحققه من إيرادات يكفى بالكاد سداد أجور العاملين، وأنه رغم محاولاته وتفاؤله يخشى أن يضطر لتصفية أعماله بسبب تردى أوضاع شركاته واستمرار جائحة كورونا.

سألته: هل فكرت فى تطوير منتج شركاتك؟ قال طبعًا، لقد جئت بأحد أفضل مصممى الجرافيك وقام بتطوير شكل المغلفات لتكون جذابة أكثر، أخبرته أن هذا أمر جيد يسهم فى جذب الانتباه للمنتج ثم سألته هل طورت المنتج نفسه؟ أجاب حاولت، لكن أداء العاملين لم يساعد على ذلك، فالعاملين فى حاجة إلى الكثير من التدريب، ناهيك عن ارتفاع متوسط أعمارهم، ما يجعل من الصعب عليهم مواكبة التطورات الكبيرة والسريعة والمتلاحقة فى مجال عملنا.

نظرت إلى صديقى وسألته: هل فكرت فى إجراء تغييرات فى القيادات الإدارية لشركاتك؟ قال نعم بالطبع فكرت عدة مرات، وقمت بتغييرات طفيفة، لكن النتيجة لم تتغير، ثم فكرت فى إحلال قيادات شابة محل القيادات القديمة، لكننى خشيت من نقص خبرتهم وبصراحة، أفضل العمل مع القيادات القديمة الذين أعرفهم، فأنا أثق بهم أكثر.

قلت له: يا صديقى العزيز، تعلمنا فى المنطق أن المقدمات المتشابهة، تؤدى حتمًا إلى نتائج متشابهة، وتعلمنا فى الإدارة أن أهم عوامل النجاح، هى قدرة المدير على المخاطرة وحساب المخاطر، واتخاذ قرارات جريئة أحيانًا، وهى مسائل تخشى أنت من اتباعها، فكيف تتوقع إذا أن تتغير نتائج محاولاتك؟ عليك أن تعيد حساباتك فيما يتعلق بتدريب العاملين لديك، واختيار القيادات من حولك، وأن تدرك أن المتغيُرات السريعة التى تطرأ على العالم من حولك، تقتضى أن تواكبها بتطوير أداءك ورؤيتك للعمل.

والحقيقة أن هذا اللقاء وذلك الحوار الذى دار بينى وبين صديقى، ذكرنى بمحاضرة حضرتها عام 1991 فى كلية التجارة بجامعة القاهرة، للدكتور على عبدالمجيد عبده، الذى كان وزيرًا للتنمية الإدارية فى حكومة ممدوح سالم التى تشكلت عام 1976، هذه المحاضرة ظلت محفورة فى ذاكرتى منذ يومها وحتى الآن، إذ قال الوزير الأسبق أن الإدارة علم وفن وموهبة، وشرح أن الإنسان يستطيع أن يدرس فنون الإدارة بوصفها علمًا، وأنه يمكنه أن يكتسب فن الإدارة بالممارسة، لكن ذلك سوف يتفوق حتمًا بامتلاكه لموهبة الإدارة، تلك التى سوف تمكنه من اتخاذ القرارات المناسبة فى الوقت المناسب.

أذكر أنه قال أيضًا فى هذه المحاضرة أن النجاح فى الإدارة، يتطلب أن يمتلك الإنسان القدرة على المخاطرة، وقياس حجم المخاطر التى تتطلب أن يواجهها المدير، وأن الانضباط فى الإدارة وحسن التخطيط والمثابرة، من أهم عوامل النجاح، وأن الثقة فى القيادات الإدارية أمر حتمى، لكن تلك الثقة ينبغى أن تكون مرتبطة بالكفاءة والقدرة على تحقيق النتائج بالأساس، وليس لمجرد الاطمئنان الشخصى للأفراد، إذ إن إجراءات الرقابة كفيلة بطمئنة صاحب الشركة تجاه هؤلاء الأفراد.

أتمنى أن يحقق صديقى النجاح الذى ينشده فى المرحلة المقبلة، وأن يكون اقتنع قد بوجهة نظرى، وأن يتذكر ما رويته له وما نصحته به، وأن يقدر على اتخاذ خطوات من شأنها أن تُحدث تغييرًا فى شركاته، وأن يُقدم على المخاطرة ويتمكن من حساب نتائجها، وأن يتذكر أنه إن حاول أن يعيد الكرّة بأن يدير شركاته بنفس الأسلوب، وبنفس القيادات، وبنفس المقدمات، فإنه بالمنطق سوف يحصل على نفس النتائج، فالمقدمات المتشابهة، تؤدى حتمًا إلى نتائج متشابهة.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز