ابتسام كامل
وفى موقع آخر بإنجيل متى 24:4 تقول الآية: ذاع خبره فى جميع سورية! فتساءلتُ عن سر ذكر سوريا فى الموضوع؟ وكيف تم ربطها بالأماكن التى شهدت ميلاد المسيح وقصة حياته كناصرة الجليل، والسامرة، واليهودية، وأورشليم، وغيرها من الأماكن والبقاع الفلسطينية؟ وربما كانت زيارتى لصيدا بجنوب لبنان منذ سنوات، هى السبب وراء إثارة تساؤلى حينما وقفتُ فوق موقع عرس قانا الجليل الذى حدثت به أولى معجزات السيد المسيح! فتساءلتُ يومها كيف تقع مدينة قانا بجنوب لبنان والمسيح كان يعيش فى فلسطين؟ دونما تذكر قصة ميلاده وحياته أنه سافر أى أرض أخرى غير مصر!
توجهتُ بأسئلتى للأستاذ سهيل لاوند، الباحث فى التاريخ القديم بجامعة حلب، حول ميلاد وحياة المسيح زمانيا ومكانيًا! وكانت أغرب إجابة تلقيتها حينما سألته عن جنسية المسيح وما إذا كان فلسطينيا أم يهوديا؟ فقال: بل سوريا ينتمى للحضارة الكنعانية! مؤكدًا: "كان المسيح سوريا يدين - نظريا - بالديانة اليهودية!" مستطردًا: بينما لا تاريخيا ولا چينيا كان هناك شعب أصيل أو أمة فلسطينية أو يهودية، بل كان يوجد شعب اسمه فيليست أو بيليست، وهو الشعب المهاجر الذى يتكون من شعوب أوروبية جاءوا من وراء البحار وخاصة من جزيرة كريت.. انصهروا مع الكنعانيين 1200 سنة ق.م، حيث امتدت بلاد كنعان من الساحل السورى بشمال سوريا حتى غزة، وعُرِف الاسم الصحيح لهذه المساحة بهذا الاسم! بينما كان الآراميون متواجدين بداخل البلاد!
استوقفته قائلة: تعقيبا على مسألة غياب الأثر التاريخى والچينى للفلسطينيين واليهود الأوائل، دعنا نتفق على أن ننطلق فى حديثنا بعيدا عن تاريخهم الذى يملأ صفحات العهد القديم، والذى توقف بنهاية أمر الفلسطينيين على يدى كورش الملك الفارسى، حتى سنة 70 ميلادية - بحسب نبؤة المسيح - حينما حدثت الحرب بين اليهود المتمردين على الحكم الرومانى، وتم خراب مدينة أورشليم، على يد الرومان الذين دمروها ونهبوها، وقاموا بتغيير اسمها مرة ثانية إلى سليا بلاتتينا، التى أتى منها اسم فلسطين مرة ثانية بعد 130 سنة! ولم تنقطع بعدها أحداث الحرب وتبادل الاتهامات بين الطائفتين ليومنا هذا! فقال: الديانة اليهودية الحديثة بها أشياء صادمة، وحاليا يوجد بالأراضى المقدسة بعض العلماء والمؤرخين الذين يعترفون ذلك!
إذن، كانت هناك سوريا، ونقصد هنا سوريا الطبيعية وكانت تمتد من البحرالمتوسط حتى نهرالفرات! والمعروف أن هيرودوت أبو التاريخ هو الذى أطلق اسم سوريا على هذه المنطقة بالقرن الخامس ق.م نسبة للآشوريين الذين بسطوا حضارتهم وسلطتهم على البحر المتوسط، فهى تاريخيا -إذن- سوريا بينما التسميات الحديثة تطلق عليها فلسطين، أو لبنان! نسبة لبعض المواقع التى وردت بالكتاب المقدس، ولكنها مواقع جغرافية مثل جبل لبنان.. نسبة للبن الأبيض، ووصفا للثلج الذى كان يغطى الجبال، والمعروف أن لبن كلمة آرامية لا تزال تستخدم ليومنا هذا! نفس الشيء مع الأردن، حيث لم يكن هناك دولة اسمها الأردن بل نهر الأردن! اذا هى جميعها مسميات جغرافية تم إطلاقها على كيانات سياسية حديثة تعود للربع الأول من القرن العشرين.
أما اليهود - وأغلبهم كنعانيين- فالتاريخ يقول أن ديانتهم اليهودية قد وضحت معالمها منذ القرن الثالث ق.م، سبقها ظهورعزرا الكاتب بالقرن الخامس قبل الميلاد، الذى كتب التوراة بعد العودة من السبى البابلي! فلماذا اختاروا منطقة سوريا للسكنى فيها؟ أجاب الأستاذ سهيل: لأنها منطقتهم الأصلية، ولكنهم تميزوا عن بقية السكان بأنهم اختاروا أن يكون لديهم إلها واحدا فقط بعد السبى البابلى، لإحساسهم أن تعدد الآلهة بعيدا عن يهوه.. كان السبب فيما حدث لهم! فصارلديهم نزعة دينية توحيدية خاصة –واعتبروا أنفسهم المصطفين أو شعب الله المختار! وهكذا بدأوا التوحيد وتشكيل اليهودية الرسمية بالقرن الثانى أو الثالث ق.م، بعد تأثرهم بديانة البابليين وكهنة الإله أهورا مازدا الزرادشتي! فاليهود ليسوا جنسا، ولكنها ديانة اعتقد أصحابها واهمين أنهم أمة! وهذا هو سر المشاكل التى تسببوا فيها مع السلوقيين وفيما بعد مع الرومان، وبسببهم قامت ثورة المكابيين، وتم تدمير الهيكل.. إلخ!
تساءلتُ كيف يكون أغلب اليهود كنعانيين؟ وقد ذكر ابن خلدون إن أول ملك عربى فى الشام كان من العمالقة أى من الكنعانيين! مثلما ذكر الطبرى إن الكنعانيين هم العرب البائدة الذين يعودون بأنسابهم إلى العمالقة، الذين عرفوا فيما بعد أنهم الفلسطينيون – طبقا للطبري! فى نفس الوقت الذى شهدت فيه الحضارة الكنعانية انبثاق بعض الحضارات منها، مثل: الأمورية والعمونية والعبرانية والحضارة الفينيقية، رغم تفاوتها عن بعضها فى الخصائص والسمات! ما يجعلنا نتصور تأثير بيئة منطقة سورية أو أرض كنعان فى ظل الحضارة الفينيقية.. على البيئة الزمانية والمكانية لمولد المسيح، كما يجعلنا لا نتعجب من ملامحه التى بدت عربية، حيث لا بد ان الاختلاط كان يلعب دورا، كما تعتقد بعض الدراسات القديمة أن الثقافة الكنعانية قد نشأت من مجتمع الرعى البدوى حول شبه الجزيرة العربية! فعلق الأستاذ سهيل قائلا: إن الدراسات التاريخية الأركيوليجية لا تؤكد هذا الاعتقاد! بل يرجح علم الآثار وعلم الوراثة الحديثين أن الكنعانيين لم يكونوا عربا قدموا من شبه الجزيرة العربية، لم يأتوا من الجنوب بل من الشمال.
الأستاذ سهيل لاوند يؤكد أن ولاية سوريا لم تكن تهيمن على الساحل السورى فقط، بل كانت طبيعتها تمتاز بالتقسيمات والملكيات، ومنها الإقطاعية.. حيث كان اليهود يشعلون الثورات والتمددات، متسببين فى العديد من المشاكل للحكام منذ زمن السلوقيين "خلفاء الإسكندر المقدونى".
لذلك لم يطل حكم سلالة هيرودس الصورى سوريا، وهو المعين بمعرفة الامبراطور الرومانى على يدى والى سوريا، وعليه كان اليهود دائمى الانتقاد لهيرودس لقيامه بتنفيذ سياسات الرومان! فى دليل جديد على الهيمنة السورية للمنطقة! كما جاء فى انجيل متى الآية التى تقول أن صيت المسيح ذاع فى جميع سوريا! ومثلما أشرنا فى البداية أن الاكتتاب المسكونى كان فى زمن كرينيوس والى سوريا بأمر من الامبراطور الرومانى! ولم يكن هناك ذكر لفلسطين، ولا اسرائيل، ولا الأردن، ولا لبنان، ماعدا ذكر نهر الأردن، وجبال لبنان الشرقية والغربية كمواقع جغرافية – كما سبق وأوضحنا-! فالحكم الرومانى كان لديه ولايات، منها ولاية سوريا التى تم احتلالها عام 64 ق.م، وكانت عاصمتها أنطاكية.. التى هى بحسب تعبير لاوند المكان الثانى الذ ولدت منه المسيحية، باعتبار الجليل هى المنطقة الأولى التى جاء منها المسيح! ما يؤكد أن جنسية المسيح سورية فى الأصل!
ويذكر التاريخ أن أول أبجدية ظهرت 1400 سنة قبل الميلاد كانت الأبجدية الكنعانية، التى ظهرت بحروف مسمارية بأوغاريت، ثم ظهرت أبجدية چبيل حوالى 1000 سنة قبل الميلاد التى أطلق عليها الإغريق اسم بيبلوس، ومنها جاءت كلمة بايبلBible أى الكتاب المقدس الذى يقال أنه أول كتاب تم طباعته. ومن الكنعانية أيضا.. اشتقت اللغة الآرامية المعروف أنها لغة سوريا الأصلية، وكانت لغة المسيح الأم، وهى اللغة اليومية التى كان يتكلم بها اليهود، بينما العبرية هى لغة الحديث فى المعابد! ولاتزال 3 قرى فى سوريا تتحدث تلك اللغة ليومنا هذا، وهى باخعا، وچُبعدين، ومعلولا! فالمسيح سورى لا شك فى ذلك!
بوضوح إذن.. هل كان المسيح عربيا؟ أم سوريا؟ أم فلسطينيا؟ أم يهوديا؟ أجاب الأستاذ سهيل: السؤال خاطيء! فلا بد من التمييز بين القومية أى الانتماء الوطنى والديانة! ومن هذا المنطلق، نستطيع القول أن المسيح ابن الجليل هو سورى ينتمى لحضارتها المحلية وهى الكنعانية، ويهودى الديانة يتكلم الآرامية! وأكرر القول أنه كان نظريا يهودى الديانة، حيث أثبتت تعاليمه وأفعاله أنه بعيد كل البعد عن اليهودية التقليدية، فرايناه يكسر يوم السبت، ويقول للناس قيل لكم أما أنا فأقول لكم، وقال ما جئت ألقى سلاما بل سيفا ويقصد سيف المعرفة الجديدة الذى يفصل بين الحق والباطل، الزيف والأصالة، ليخرج الناس من تعليم اليهود القاسى بتعاليم الرحمة والعدل!