ابتسام كامل
بعد أيام، أرسل الخبير لصاحب الشركة نتيجة الدراسة التى تقول أن العاملين لا يشعرون بالانتماء للشركة، مثلما يشعرون بالانحياز والتمييز ضدهم، وإنهم غير مُقدرين رغم ما يبذلون من جهد، بالمقارنة ببعض الزملاء الذين ينالون المكافأة والتقدير لوجودهم فى دائرة المدير.. الذى يستمع إليهم ويحيطهم به لما يبدونه من طاعة عمياء لآراء قرارات الرجل مهما كانت ضد منطق العمل وستعود عليه بالخسارة فى المستقبل! وهذا الإحساس كان كافيا ليجعل العمال فاقدى الحماس، يمارسون العمل بالبطء والتكاسل واللامبالاة التى تجسدت فى صورة انخفاض الإنتاج! ثم نصح الخبير صاحب العمل أن يهتم باستعادة ثقة موظفيه، ويعمل على غرسْ الإحساس بالإنتماء للشركة داخلهم، مع إتاحة الفرصة للتعبير عن أنفسهم، ليشعروا أنهم ليسوا مجرد عمال وموظفين، بل شركاء فى ملكية الشركة!
قطع الحلوى الصغيرة
فكر المدير كثيرا، ثم بدأ تنفيذ خطته -بالاتفاق مع الخبير- بدءا بادعاء وجود خلل فى نظام كاميرات المراقبة الداخلية بعدما عطلها، ثم دخل مواقع العاملين بعد مغادرتهم، ووزع العديد من الأقلام والدفاتر والملفات مع بعض البونبون وقطع الحلوى الصغيرة فوق مكاتبهم ومواقعهم، ويعود بعدها لمكتبه فى صمت، منتظرا النتيجة! ولم يخب ظنه.. وبدأت الحياة تدب فى شركته - ببطء- بين المرح والتساؤلات عن سر وجود هذه الأشياء! ثم لاحظ كيف كانت هذه الهدايا الصغيرة تتناقص يوميا، فأدرك أن العمال كانوا يأخذونها فى حقائبهم، فيُعيد هو الكرّة ويضع بديلها المزيد من الهدايا والأشياء!
تدريجيا، لاحظ المدير تراجع نظرات الشك والتعجب والإقبال على الأدوات المكتبية والهدايا الصغيرة، وحل الهدوء والنشاط والمرح فى المكان.. بعدما اعتاد الموظفون وجود هذه الأشياء، حتى صارت بقع العمل والمكاتب مزدحمة وممتلئة بما يوزعه المدير.. الذى لم يتوقف المدير عن عادته اليومية بنشرها فى مواقعهم! فى نفس الوقت الذى كانت تأتيه التقارير التى تؤكد ارتفاع معدلات الإنتاج، نظير ارتفاع إحساسهم بالاطمئنان والتقدير لتوفر احتياجهم من الأدوات المكتبية، كما إن قطع الحلوى الصغيرة استطاعت تغيير مزاجهم أثناء العمل مع تجديد طاقتهم! فقام الرجل بمكافئتهم ماديا، وأمر بتنظيم حفل تقديرى على شرفهم!
منذ قرأتُ القصة، تعلمتٌ خمسة دروس، أولها أن صاحب المال الحقيقى هو الذى يحافظ على ماله، ويسعى بنفسه لإيجاد الحلول لمشكلاته، بدءا بالتشخيص الصحيح لحقيقتها! وثانيهما، أن الانتماء ليس كلمة نتشدق بها، ولكنها مسيرة تشاركية بين صاحب العمل الذكى الذى يفهم أن إصلاح أحوال الموظفين وتحسين العلاقة بينهم وبينه وبين بعضهم هى مفتاح صيانة وإصلاح مشروعه –حتى فى وجود الآلات- لأنهم القوة الحقيقية التى تحقق هدفه من المشروع وتحافظ على ماله! ثالثا، صاحب المال اليقظ يعلم أن سر نجاح موقع العمل يعتمد على خلق بيئة صالحة مطمئنة للعمل، حتى لا تتبدد طاقة العمال والموظفين فى الهمس السلبي، والمقارنات، ورصد التمييز والاستثناءات، والشكوى من عنف سوء استخدام السلطة، فتتبدد طاقتهم فى الإحساس باليأس، والظلم والغيرة.. دونما يتبقى وقت للعمل! رابعا، الثواب مقدم على العقاب-حتى إشعار آخر- حيث تستطيع مكافاة مادية بسيطة، أو حفلة أو رحلة للموظفين، أو المساهمة فى دفع مصروفات المصيف أو دفع مصاريف مدرسة الأولاد.. أن تذيب جليد توتر العلاقات المهنية، ومن ناحية أخرى.. يعلم صاحب المال الذكى أن تلك المصروفات ليست إلا خسارة قصيرة المدى من أجل مكسب طويل الأجل! أما الدرس الأخير، فهو أن زياة الإنتاج لا تأتى أبدا بتشجيع القيم السلبية فى المكان، مثل قيام الإدارة العليا -مثلا- بتوظيف مدير لا ينتمى للمكان ولا يؤمن برسالته، مهما كانت ثقتها به، ومهما كانت إدعاءاته ووعوده بالنجاح والتغيير.. لأن نجاح المؤسسة لا يعتمد على وعود المدير ، بل بيئة العمل الذى يوفرها هذا المدير، ومدى التقدير المتبادل بينه وبين المرؤوسين ومدى استعداده لتدريبهم وتأهيلهم! حيث تقول القاعدة الإدارية أن العمل ينجح ويزدهر فى حال وجود مرؤوسين مدربين ومؤهلين حتى لو كان المدير متوسط الإمكانيات! وليس العكس صحيحا، فلا يمكن أن ينجح العمل بوجود مدير جيد ولكن الموظفين غير مدربين ولا مؤهلين! ولهذا تهتم الإدارات الواعية بالاستثمار فى تأهيل وتدريب فريق العمل ليخرج منه -فيما بعد- المدير الجيد المنتمى للمكان، الذى يدرك أبعاده كقدرات بشرية ومادية!
علم النفس الوظيفى
وطبقا لعلم النفس الوظيفى، فإن بيئة العمل السلبية تتمثل فى بعض السلوكيات التى ربما لا ينتبه إليها الكثيرون، مثل إهمال شكاوى العمال، والاكتفاء بمتابعة أحوالهم من خلال الاعتماد الكلى على تقارير رؤسائهم، دون إتاحة الفرصة لسماع العاملين أنفسهم.. خصوصًا لو كثرت الشكاوى وساد الغضب والكبت بيئة العمل، التى يغذيها إحساس الموظفين بالخوف من انتقام الإدارة التى قد تتسبب فى خسارة وظائفهم ولقمة عيشهم إن عبروا عما يشعرونه ويعانون منه! وهكذا.. تفتح هذه البيئة المجال للفساد من أوسع أبوابه، حينما يثق المدير أن الإدارة العليا تسمع له هو فقط، ولا تمنح الثقة إلا لصوته وتقديراته!
اعرف مؤسسة قامت فيها الإدارة العليا بتشجيع الموظفين على تقديم الشكاوى كآلية للحد من الفساد.. وقامت شاكرة بتكليف المدير بإنشاء بريد إليكترونى.. لمخاطبتهم عبره، مع تعليق هذا القرار على لائحة الإعلانات وإرساله لجميع القطاعات! الطريف فى الأمر، أن المدير الذى شجع الموظفين على آلية مراسلة الإدارة العليا بالشكوى، هو نفسه الذى أوقفهم عن ممارستها، بل وهددهم إن فعلوا ذلك! حينما أضاف جملة صغيرة مرفقة بالقرار يخبرهم فيها "أن البلاغات الكاذبة المتعمدة بسوء نية من المبلغين تعتبر مخالفة تأديبية خطيرة وسيتم التحقيق فيها".. فتندر الموظفون ساخرين من المدير الذى يرضى الإدارة العليا، ولكنه فى نفس الوقت يهدد الموظفين إن اشتكوا، خوفا من أن تكون الشكاوى ضده! مما يبدد الثقة بين المدير وفريق العمل!
تلك الثقة التى ينقصها الحس والذكاء الإدارى الذى -مع الوقت- تدفع المؤسسة ثمنه بالكامل! ثم يشتكى صاحب المال أو الإدارة العليا من الخسارة، وضعف الإنتاج! فى الوقت الذى يتم فيه قهر العمال والموظفين ثلاث مرات، مرة بتسلط الإدارة المباشرة عليهم، ومرة بعدم وجود قناة طبيعية تستوعب اقتراحاتهم وشكواهم وهمومهم، ومرة بتوقف نموهم المهنى، وتشتت إمكاناتهم بسبب الغضب والقلق والإحساس بأن البعض يتحكمون فيما لا يملكون ولا يستحقون! فتضعف همة الموارد البشرية.. ويتهرب كل طرف من مسؤوليته المباشرة فيما آل الحال إليه!
الملياردير والجاسوس
أما أصحاب المال الحقيقيين الذين يخشون على ثرواتهم فتختلف سلوكياتهم الإدارية والمهنية تماما عما يحدث فى بعض القطاعات! فرأينا -على سبيل المثال- كيف تصرف الملياردير الأسترالى ريتشارد برانسون حينما زار مكتبه لإلقاء التحيّة على الموظفين والاطلاع على سير الأمور، فوجد أحد موظفيه نائما فى وقت العمل! فقام بأخذ صورة له مع الموظف النائم، وهو مبتسم! وشارك الصورة على السوشيال ميديا بتعليق ظريف.. برر فيه موقفه المتسامح مع الموظف: قائلا: "لم يضايقنى الأمر على الإطلاق، ولكى نكون منصفين، كان الرجل فى وقت راحته بعدما أُرهِق من العمل، فاستحق الاسترخاء".
فهل نتخيل كيف كان رد فعل هذا الموظف وجميع الموظفين؟ آفة الإدارة فى بلدنا هى استمرار تطبيق مصطلح أهل الثقة وليس أهل الخبرة! وأدعوكم لقراءة هذه القصة لربما نستوعب مغزاها، ونضع أيدينا على سبب مشاكلنا الإدارية! فبعد نهاية الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتى، استطاعت أمريكا توظيف جاسوس روسى للعمل كمستشار للرئيس السوفييتى! والمثير، أن هذا الرجل كان من أكثر السياسيين السوفييت تفانيا وإخلاصا فى العمل دونما يتسبب فى أذى أى شخص! ثم كانت المفاجأة حينما اكتشف الجميع أن هذا الرجل ليس إلا جاسوسا للمخابرات الأمريكية! ولكنهم لم يجدوا أى دليل يدينه! وعندما سألوه عن أهميته للمخابرات الأمريكية قال إن عمله -ببساطة- كان يقوم على أساس "وضع الرجل المناسب فى المكان غير المناسب"، فكان يأتى بالمهندس الزراعى ويضعه فى وزارة المالية، ويضع الطبيب فى وزارة الصناعة! وهكذا، مما ساعد فى تفتت وإضعاف الاتحاد السوفييتى، فالمهندس لا يفقه شيئا بالطب، والمحاسب لا يفهم شيئا بالصناعة، وهكذا تم القضاء على أية بادرة للبناء أو التقدم!