ابتسام كامل
كل الخطورة أن انسحاب جميع أنواع الإدمان لا يؤدى بالضرورة لندوب نفسية تلازم صاحبها، إلا إدمان الحب، الذى قد نتخلص منه، ولكن تجربة الحب ذاتها تترك ملامحها على شخصياتنا وأفكارنا واختياراتنا، ولربما نظل ندفع ثمنها طوال العمر! فما هو إدمان الحب؟ وما هى الشخصيات القابلة للإصابة به؟ وما هى كيمياء المخ التى تجعل الحب إدمانا؟
إثبات الذات
الرغبة فى إثبات الذات كانت دافع صديقى الطبيب الشاب -الشهير بأنه يحب على روحه- للدخول فى علاقات متعددة! رغم أنه لا يرى نفسه وسيما على الإطلاق! ورغم هذا، فهو عمر الشريف فى التعامل مع المرأة! مع أولى وثانية قصة حب، أدرك أن جاذبية قبحه – بحسب قوله- مع المزيد من الاهتمام وبذل الجهد فى فهم النساء أمدته بالقدرة على اقتحام قلوبهن، ورغم النهايات المؤلمة المعتادة، فهو لا يستطيع العيش بدون حب، مهما كلفه ذلك من وقت وجروح وآلام.. ومصروفات! ملخصا حديثه قائلا: لن أتزوج! فأنا أحب الحب للحب نفسه!
ثم اكتشفتُ أن صديقى الطبيب يكره جنس النساء بسبب أمه التى كانت تنتقد شكله منذ طفولته، وتقارنه بأبناء أخيها! فتولدت لديه الرغبة الدائمة فى إثبات أنه مقبول لأمه، التى لم تقدره فى أهم سنوات عمره بالسبع سنوات الأولى! حتى صار عمره 42 عاما حينما وقع فى حب شابة كورية وتزوجها أخيرا، باعتبارها خواجاية، وكل الناس ستحسده عليها!
أما آمال - مدربة كمبيوتر- ففتحت قلبها: قلت هاجيبه يعنى هاجيبه.. وفعلا تزوجتُ من أحببتُ! ولكنى لم أعد أشعر بنفس السعادة كما كانت قبل الزواج! زمان، تقول: كنت أحب أن أكون محل اهتمامه، ورعايته، وغيرته، ومكالماته! حياتى كلها كانت متوقفة على كلمة منه! ولم أكن أرفض له أى طلب مهما كان، حتى لا أخسره ويمضى، فأصبح مهزومة أمام نفسى! كنت أغير عليه حتى من اخواته البنات! وهو أيضا كان يوقف حياته على كلمة منى، ولا يطيق أن أغيب عنه، أو يرانى مع غيره، وكان مستعدا لفعل اى شىء ليرضينى، فتزوجنا! قلت لها أنها محظوطة، فأى رجل يهرب من المرأة التى تدمنه! فأجابت: إلا أنا وأحمد فقد أدمنا بعضنا! لكن المشاعر قبل الزواج لها مذاق مختلف! فالحب الممنوع كان يجعله يرانى مثيرة ومرغوبة! حتى انتهت نشوة الإدمان مثل أى شىء، ولم تعد علاقتنا ممتعة! تظن آمال أن زوجها يخونها! ولكنها لم تعد تهتم كثيرا، فالأبناء أهم الآن!
من تختارها أمى
فى أحد النوادى الرياضية، اشتهر" سيد" كابتن السباحة.. بالحّبيب! حلو اللسان، وفاتن الملامح والتكوين الجسدى، ولكنه رمرام! أنذرته إدارة النادى مؤخرا بضرورة فصل علاقاته عن عمله، نتيجة تعليقات صديقاته الساخنة على الفيسبوك! حينما واجهتهُ بأن هؤلاء البنات دون المستوى، قال لى ضاحكا: وانا مالى بمستواهن؟ أنا ما قدرش أعيش من غير حب ونسـوان! وسُمعتك؟ قال: أنا راجل! وهل تسمى هذا حب؟ وماذا عن الزواج؟ سألته فأجاب: سأتزوج من تختارها أمى! عرفتُ أن كابتن سيد كان يعيش فى بيت عائلة حتى سن السادسة عشر، حينما كانت زوجة عمه الجميلة -التى تصغر زوجها بحوالى عشرين عاما- تطلب منه شراء بعض الطلبات من السوق ثم تستفرد به فى الشقة! حتى اكتُشف الأمر، وعوقبت هى بالطلاق، دونما تلتفت الأسرة لما أصاب سيد لأنه "راجل"! ولم يربط أحدهم بين تجربته هذه، وبين علاقاته المتعددة باسم الحب، حيث قرر الانتقام من زوجة عمه الفاسدة، بإيقاع النساء فيه دون زواج وخصوصا الجميلات لإذلالهن!
إلى زيزى.. التى اعتادوا فى مكتب المحاسبة الذى تعمل به أن يلقبوها بالقشاش! يعترف الجميع بمهارتها كمحاسبة، لكنهم يعرفون أيضا أنها مريضة حب ومدمنة علاقات خاصة، إذ تعترف بنفسها أنها لا تكتفى برجل واحد، كتبرير لسلوكها العاطفى! بينما يسهل اكتشاف بطل المرحلة بالمكتب من سلوكها الذى يتلخص فى لغة جسدها، ونظراتها الوقحة، وأسلوب اقتحامها لمجاله الخاص، وطريقة كلامها واهتمامها الذى يلين الحجر كما يقولون! سألتٌ لماذا يتركونها تعيث فى المكتب فسادا، هكذا؟ فعلمتً أن صاحب المكتب أحد ضحاياها فى الوقت الحاضر! دونما يعلم أنه واحد من الشلة! فى انتظار أن تزهق منه، ليفيق، فيطردها!
حينما بحثتُ عن الفرق بين المريض نفسيا ومدمن الحب، اكتشفتُ أن إدمان الحب كأى إدمان آخر، هو النتيجة الطبيعية لبعض المشاكل النفسية التى تمر بالإنسان.
ففى عرض تجربتها عن إدمان الحب الذى عاشته، شرحت الكاتبة والمذيعة الانجليزية كلير كاتفورد كيف مرت بطفولة شبه وحيدة ومهملة ماجعلها ترتبط بقصص حب وهمية كحب نجوم الموسيقى والغناء، مرت بعدها ببعض قصص الإدمان العاطفى والجنسى، حتى واجهت نفسها وضعفها، وقررت الانسحاب من تلك العلاقات التى عذبتها، ففوجئت أن الانسحاب من إدمان الحب شبيها بأعراض الإنسحاب من كل أنواع الإدمان الأخرى، كالإصابة بالهلع، وفقدان الرغبة فى النوم، وفقدان الثقة فى النفس، وفى قيمة الحياة، مع البكاء وعدم القدرة على العيش! ففكرتْ فى الانتحار، حتى قررت هزيمة الإدمان، ولجأت للتقرب إلى الله والعلاج النفسى المتخصص، فاستقرت حالتها وبدأت فى مساعدة غيرها من مدمنى الحب!
من الذى يقع فى إدمان الحب؟
عرف عالم النفس ساندور رادو مصطلح "مدمن الحب" بأنه الشخص المحبط الذى يحتاج إلى مزيد من الحب والأمن والدعم، كمحاولة لملء فراغ حياته! فإدمان الحب هو حالة اعتماد عاطفى يقوم فيها طرف يعانى غالبا من النبذ والإهمال والجوع العاطفى وغياب الثقة فى النفس بتوقع حصوله على الاستقرار من خلال الطرف الآخر! إذ يرى الحبيب محبوبه مثاليا، ويضعه فى منزلة مقدسة، تدفعه للإخلاص المطلق والولاء له، مع الاستعداد للتضحية بكل شىء لأجله! مثلما تشير الدراسات الطبية لتحول الحب إلى إدمان حينما تعتاد هرمونات الحب والسعادة والجنس على النشاط فى وجود المحبوب! فيبدأ هرمون الأدرينالين فى إفراز العرق وازدياد دقات القلب، ثم هرمون السعادة المعروف بالدوبامين، معلنا سعادته بوجود المحبوب، ثم هرمون الإدمان المعروف بالأوكسيتوسين الذى يعطى الاحساس للإنسان أنه لا يستطيع العيش بدون حبيبه! وأنه مستعد للتضحية من أجله بكل شىء! وتبلغ نسبة وجود هذه الحالة المرضية ما بين 3- 10% فى المجتمعات الطبيعية، بينما تزيد إلى 25% فى بعض المجتمعات المغلقة!
أما أكثر الشخصيات التى تميل للوقوع فى إدمان الحب، فهى شخصية الدون چوان الذى يمتاز بالوسامة والرقة التى تجعله فى حاجة لإثبات ذكوريته ولو بعلاقات مضطربة تقوده لإدمان الحب.
كما ذكر دكتور محمد المهدى استشارى الطب النفسى فى بحثه عن إدمان الحب! مضيفا، وكذلك شخصية كازانوﭬا بما لديه من ثأر وعداء مع النساء بدءا بأمه، التى كانت ترفضه منذ طفولته بسبب قبح شكله! فيلجأ إلى إيقاع بعض النساء فى حبائله بما يمتاز من جرأة وإقدام، بعدها يبدأ فى إذلالهن مستمتعا بالتحكم فيهن! ثم تاتى شخصية النرجسى الذى يستغل المحبوب فى إثبات تفرده وتميزه وتفوقه!
أما النساء، فيقول دكتور المهدى أن من تقع فى إدمان الحب، هى شخصية هستيرية نهمة للبحث عن الاهتمام والتدليل، بينما تقع الشخصية السلبية فى إدمان الحب نظرا لاحتياجها لشخص بجوارها يرعاها ويتحمل مسئوليتها والدفاع عنها!
الطريف أن جمعية الطب النفسية الأمريكية لم تشر لنمط سلوك إدمان الحب -فى الدليل التشخيصى والإحصائى للاضطرابات العقلية "DSM" باعتباره سلوك مرضى مرتبط بالعاطفة! حيث تشير الدراسات النفسية لقدرة العاطفة على التكيف مع مختلف المتغيرات، على العكس من نموذج إدمان الحب الذى يشير للسلوك الإدمانى! ونحن أيضا نؤيد رأى جمعية الطب النفسى، فالاعتراف بالمشكلة العاطفية، والبحث عن العلاج فى ظل إرادة قوية مدفوعة باحترام الذات هى مبادىء فعالة لاستعادة الإنسان المريض من براثن ذلك الإدمان الذى يسهل قهره إن أردنا، أو يسهل قضاؤه علينا إن تركناه يتغلب علينا!