ابتسام كامل
ويمنح ذلك المثليين والمتحولين جنسيًا الحماية من التمييز فى المدارس والرعاية الصحية ومكان العمل، وأى موقع آخر بالحياة الأمريكية! بينما أثار هذا الأمر التنفيذى غضب بعض المحافظين الذين قالوا إنه سيهدد حقوق المرأة، فى الوقت الذى أعلنت فيه بعض وسائل الإعلام الديمقراطية إن هذا الغضب وتلك المخاوف ليست إلا حجة تستخدمها الجماعات اليمينية التى تعارض حقوق المتحولين جنسيًا، كما قالت جريدة الواشنطن بوست!
وقع جو بايدن الأمر التنفيذى الخاص بمنح ما يعتبر انتصارا للمتحولين جنسيًا، وكل من يندرج تحت تصنيف المختلفين جنسيًا.. فى نفس الوقت الذى قامت فيه نانسى پيلوسى المتحدثة باسم الكونجرس بإلغاء كلمة أم وأب وابن وعمة وخالة وأخ غير شقيق.. وغيرها من المفردات الخاصة بتعريف نوع الإنسان من اللغة المستخدمة فى إعلان جملة القرارات الخاصة بقواعد مجلس النواب الـ117 الذى انعقد مؤخرًا، إثر فوز الأغلبية الديمقراطية بالكونجرس!
إن عطست أمريكا..
يعنى ذلك أن اليسار المتطرف صار يتحكم فى تفكير تلك الإدارة التى ستؤثر فى العالم لمدة الأربع سنوات المقبلة، وفقًا للمثل الذى يقول إن "عطست أمريكا.. يصاب العالم كله بالبرد"! وكأنه يتبع مؤامرة ممنهجة للتلاعب بالجنس البشرى! علما بأن محاولات ذلك التيار لنشر أفكاره التحررية بدأت فى الإعلان عن نفسها بقوة منذ أيام رئاسة باراك أوباما، حينما بدأت بالفعل حفنة من الولايات تطبق بعض القوانين والقرارات الخاصة بتوحيد دورات المياة للجنسين Unisex، ومنع التمييز بين دورات المياة لكل جنس على حدى، وعدم تجريم المثلية الجنسية فى المدارس، وغيرها من تلك الأفكار التى يعتقد البعض أن أكبر مشجعيها هم المتحولون جنسيا، والمثليون، والمتحررون، وثنائى الجنس، وأية فئة تندرج تحت وصف عبيد ومدمنى الجنس، والكثير من الملحدين وعُباد الديانات الغريبة الأخرى، وهم الأغلبية التى تتهم ترامپ بتقسيم الأمة الأمريكية لمجرد رفضه لأفكارهم.
الحرية ومعاداة النظافة..
ولا أعلم ما السر فى إصرار تلك الجماعات على اعتبار توحيد دورات المياة هى مجال انتصار، رغم معاداتها لأصول النظافة والصحة؟ إلا بأنها رمز نجاح تلك الفئات فى اقتحام خصوصية أبناء الجنس الطبيعى، ومعاقبة كل من يرفض أفكارهم التحررية! أما المحزن فى الأمر، فعندما تبدأ فى نشر وتلقين سموم أفكارها الغريبة بين أبناء طلبة المدارس، كنواة لضمان قبولها فى الأجيال المقبلة الذين سيدافعون عما غرسته تلك الجماعات فى عقولهم من أفكار غريبة ومتطرفة وضد الإنسانية! كما هو الحال فى الأجيال الحالية، التى تسفهت عقول ممعظمها ولم تعد تقبل على التعليم الجامعى، وكل ما تبحث عنه هو كسب المال بحثًا عن المتعة والجنس والمرح، واللهو.. بعيدًا عن القيم التى ميزت المجتمع الأمريكى طويلا حتى بدأت فترة الانهيار المجتمعى والأخلاقى الحاد مع وصول بيل كلينتون للرئاسة، باعتباره أصغر رئيس عمرا، وأول رئيس توافقى جمع بين مباديء الحزبين! ومن خلال فضيحته مع مونيكا لوينسكى، انكسر رمز الفضيلة!
ورغم احترامى الشخصى لاختيارات جميع البشر، سواء كانوا متحولين أو مثليين أو أى تصنيف جنسى آخر، لكنى لا أنادى بأفكارهم، وأعتقد أن مفهوم حقوق الإنسان يخص المفاهيم الأساسية الطبيعية للبشر، بينما تلك المفاهيم الأخرى ليست إلا استثناء لا يجب تفسير وتعديل منظومة الحقوق بناء عليها. خصوصًا إذا ما اتخذنا النظريات العلمية التى تقول أن المثلية الجنسية هى اختيار شخصى وليس لها علاقة لا بالچينات ولا بالهرمونات أو الاستعداد المرضى وكل هذه التفسيرات التى لا تجد دليلاً علميًا ثابتًا - ليومنا هذا! وإذا تأملنا الكتب الدينية التى تصف لنا كيف غضب الله على الإنسان بسبب المثلية الجنسية، وكيف دمر سدوم وعمورة لهذا السبب! وهى المفاهيم التى تجعلنا نفهم كيف أصبح الإلحاد ورفض الدين أسهل وسيلة لتحقيق رغبات الإنسان، الذى جعله التقدم والحرية والعلم والتكنولوجيا يتجاهل الدين ليصنع ما يريد فى غياب الله!
%70 من الأمريكان متدينون..
إذا ما تأملنا محاولات الكثير من دول الغرب، وبعض القنوات الإعلامية فى نشر هذه المفاهيم التى تحض الأطفال على تغيير جنسهم بنفس بساطة تغيير ملابسهم! حتى قيل أن بعض الأطفال صاروا يطلبون من أهلهم تغيير جنسهم.. كما لو كانوا يطلبون لعبة ما، مثلما يحدث فى بعض المدارس العامة التى تشجع مناهجها وسياساتها هذه السلوكيات! وهو ما حدث مؤخرًا فى استراليا – على سبيل المثال- حينما شجعت ممرضة أحد الأطفال على تغيير جنسه وفقًا لطلبه، بل وهددت بالإبلاغ عن والديه لرفضهما مطلب ابنهما الصغير الذى لم يتعد عمره 12 عامًا بتغيير جنسه! وكأن الممرضة تهتم بصالح الطفل أكثر من والديه، اللذين قرروا أخيرًا اللجوء للمحكمة، خوفًا على طفلهما من قرار اتخذه تأثرا بالإعلام، فى مرحلة الطفولة، بتشجيع بعض مؤسسات الدولة.. كالمدرسة!
بينما يرى البعض أن نسبة التدين التى يمتاز بها 70% من الشعب الأمريكى.. هى التى ساهمت فى اتساع الفجوة بالمجتمع وإظهارالانقسام الذى ظهرفى فترة حكم ترامب! وهو ما جعل البعض يتعجب من الموقف المعادى الذى اتخذه العديد من كهنة الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية ضد سياسات ترامپ، والتى ساندها الملايين من المتحفظين والمتدينين! ما يجعلنا - مع الأخذ بنظرية المؤامرة - نتذكر دعوة بابا الڤاتيكان لزواج المثليين! خاصة وأن البيان الذى صدر عن الڤاتيكان كان شبه مفبرك وغير مقنع! كل ذلك يجعلنا نتساءل: ما الذى يجرى فى العالم، حقا؟
يحدد الأمر التنفيذى الذى أصدره بايدن تفسيرًا واسعًا للحكم التاريخى الصادر عن المحكمة العليا العام الماضى، والذى ينص على أن الموظفين المثليين والمتحولين جنسيًا مشمولون بالباب السابع من قانون الحقوق المدنية لعام 1964، الذى يحظر التمييز "بسبب الجنس"، رغم أن أمر التحول الجنسى لم يكن مطروحًا فى الستينات، ما جعل إدارة الرئيس دونالد ترامپ تفسر هذا الحكم الذى صدر فى قضية بوستوك ضد مقاطعة كلايتون، بشكل ضيق ولا ينطبق إلا على الوظائف. وبوستوك هو موظف سابق فى مقاطعة كلايتون بچورچيا، تم فصله لكونه مثلى الجنسية!
الأورثوذكس وقرارات بايدن..
مثلما يدعو الأمر التنفيذى للرئيس بايدن الحكومة الفيدرالية إلى مراجعة اللوائح والسياسات الحالية التى تحظر التمييز على أساس الجنس، ومراجعتها حسب الضرورة، لتوضيح أن "الجنس" يشمل التوجه الجنسى والهوية الجنسية، مفسرا الأمر بأن الأطفال يجب أن يكونوا قادرين على التعلم دون القلق بشأن ما إذا كانوا سيُمنعون من الوصول إلى دورة المياه أو غرفة خلع الملابس أو الرياضات المدرسية! مثلما ينص على أنه يجب أن يكون البالغون قادرين على كسب لقمة العيش وممارسة وظائفهم وهم واثقين أنهم لن يُطردوا، ولن تخفض رواتبهم، ولن يتلقوا أو يعانوا من سوء المعاملة لأن طريقة ملابسهم لا تتوافق مع الصور النمطية القائمة على الجنس.. إذ يجب أن يتمكن جميع الناس من الحصول على الرعاية الصحية، والتأمين الاجتماعى دون التعرض للتمييز الجنسى.
أما راسل مور - رئيس لجنة الأخلاق والحرية الدينية المعمدانى- الذى تحدث علانية ضد الرئيس ترامپ، كما ذكرت جريدة الواشنطن بوست، فقد قال إنه يشجع رؤية بايدن.. لكنه أشار إلى أن الكتاب المقدس يوضح أن الإنسان إما ذكر أو أنثى، مؤكدا أن المسيحيين فى المناطق الأرثوذكسية لن يحبوا أوامر بايدن!
ثلاثة أسباب..
ورغم طلاوة وحسن خطاب اليسار الأصولى، يرى البعض أن مخاطره أعمق من الظاهر، وأن هناك ثلاثة أسباب لمحاولة الديمقراطيين محو كلمة النوع/الجنس من القاموس اللغوى: السبب الأول هو أن الديمقراطيين الراديكاليين يعتقدون أن دور الحكومة يتفوق على دور الأسرة، ويجب على الآباء الحصول على موافقة المسئولين الحكوميين على أسلوب تربية أطفالهم! لذلك يريد الديمقراطيون محو كلمات مثل الأم والأب للقضاء على فكرة أنهما الشخصين اللذين يحبان أطفالهم، ويتخذان القرار الأفضل لهم! وللحد من قدرة الآباء على إرسال أطفالهم إلى الكنيسة، وإلى المدارس الخاصة التى تعلمهم المسيحية والمبادىء المحافظة بدلاً من عمليات غسيل الدماغ التى تجرى لهم فى المدارس الحكومية التى تعلمهم نظريات النقد العرقى، والتحول الجنسى، كما يعملون على تفكيك رباطهم بالتاريخ الأمريكى الأبيض!
أما السبب الثانى كما تقول ليز ويلر الإعلامية والمعلقة السياسية: فهو أن اليساريين المتطرفين يريدون تفتيت مفهوم العائلة الحقيقية؛ فيضطر الناس للاعتماد على الحكومة التى تشكلهم كما ترى من خلال مسح الجنس، الذى يؤدى لمسح الأدوار والعلاقات التقليدية بين الرجال والنساء، الذى يؤدى إلى محو الزواج التقليدى، فمحو وحدة الأسرة التى ستجعل هؤلاء الأشخاص مضطرين للاعتماد على الحكومة بدلا من أسرهم، وهو ما يبتغيه المسئولون الحكوميون رغبة فى السلطة الملطقة على حياة الناس!
ويصنف السبب الثالث، بأنه رغبة اليساريين المتطرفين الديمقراطيين لإزالة ما يعرف بالحقيقة الموضوعية، فلا يمكن لأحد مجادلتهم ضد أيديولوجيتهم! حيث لا يصبح هناك ثنائية الصح والخطأ، والرجل والمرأة، والحقيقة والخيال.. إلخ! وهو ما يؤمن به أيضا الفوضويون، والملحدون، والمتدينون من أصحاب الدوافع السياسية، ومن يتاجرون بكلمات الإنجيل، أما إذا اعترضت على أفكارهم فما أسهل من تصنيفك بالتشدد! فلاتجد أمامك سوى أن تنتهك ضميرك أوتنتهك القانون!
الطريف أن نانسى بيلوسى التى تدافع عن محو الجنس من قرارات قواعد مجلس النواب تُعرف نفسها على تويتر بأنها ام وجدة! أى أنها لاتؤمن بما تقوله وتدافع عنه فى المجلس، وكل ما هنالك أنها تمارس المزيد من الألاعيب السياسية!