ابتسام كامل
وطرق الباب، ففتح له حفيدها الصغير، فقام البلطجى بإلقائه بعيدا على السلم، واقتحم الشقة وهو يتردد فى أنحائها، ملقيا السلام على صاحبة البيت.. التى ردت عليه السلام بعفوية دون أن تعلم من هو، فاستدل من صوتها على موقعها بحجرة نومها، حينما كانت على سجادة الصلاة تركع وتصلى، فجذبها من شعرها، وأخرجها إلى الصالة ثم سكب البنزين عليها.. وحرقها!
أما الغريب، فهو ما قاله البلطجى فى أثناء تمثيل الحادثة – بعد القبض عليه - حينما سألوه عن سبب ارتكاب جريمته، فقال: "عشان أولادى! مُعللا: أهون عندى يتقال إن أبوهم قاتل ولا يتقال عنه حرامى! فقتلتها عشان هى اللى بلغت عنى"!
وهكذا بكل بساطة وضع حدا لحياة امرأة مقابل سمعته التى يخشى أن تسوء فى نظر أبنائه إن علموا أن والدهم حرامي! ما يعنى أن الرجل رغم كونه بلطجى ومسجل خطر معروف بالإجرام، لكنه لديه قيم خاصة به، فهو يرفض أن يقال عنه حرامى .. رغم أنه حرامى! بل ويعتبر وصفه بالقاتل أفضل وأكرم، وربما أشرف أيضا! ما يعنى وجود منظومة قيمية لأبناء هذه الفئة من المجرمين والمسجلين خطر والبلطجية.. وغيرهم من أبناء الفئات الذين نعتبرها خارجة ومارقة عن القانون.
قاتل نعم .. حرامى لا
صحيح أن قيمهم سلبية ما بين القتل، والسرقة، والانتقام، و..و... وكل تلك السلوكيات التى نراها تهديدا لحياتنا اليومية فى الشارع كسلوكيات إجرامية، بدون أى شعور بالذنب من قبلهم، حيث تخبرنا الدراسات أن ممارسة الجريمة تمنح أصحابها إشباعا وقوة دافعة تتناسب مع تعريف الفلسفة لمفهوم القيمة، التى تقول أنها الميزة أو الخاصيّة التى تعطى قيمةً للشيء وتجعله مرغوباً فيه! فحينما قتل ابراهيم السيدة سامية، كان يسعى للحفاظ على قيمة صورته فى عيون أبنائه كرجل قلبه ميت، مهاب، قوى، صامد لا يلين! أما وصفه بالحرامى، فهى صفة حقيرة، لما تتضمنه من خسة وندالة وغدر.. وغيرها من الصفات التى تقل من قيمته فى نظر أبنائه.. رغم قيامه بها بالفعل!
فما الذى يشكل ثقافة رجل الشارع لدينا؟ وكيف صارت مثل هذه السلوك "قيمة" يسعى لتحقيقها؟ ولماذا كل هذه القسوة والعنف اللذين يعششان بكيانه؟ وهل يمثل هذا الرجل شريحة حقيقية بمجتمعنا؟ ومن المسؤول عن وصول رجل الشارع لهذه الحالة المؤسفة، كالتى عرضتها وسائل الإعلام لصورة القاتل كما يتضح حتى من هيئته الخارجية القذرة.. التى تكاد تكون الرائحة العفنة تفوح من مظهر بنطلونه الجينز الأجرب، والتى شيرت الذى بلا شكل ولا لون، وشعره الأجعد الواضح جدا أنه غير نظيف- فهكذا أوحى-! وشبشبه القبيح الذى تخرح أصابعه منه بما تحمل من إهمال للنظافة، يتضح فى شكلها غيرالمهذب، واللون الأسود الذى يحيط بها! كمئات الشخصيات العشوائية الذين نراهم، ونتعامل معهم! فهل هذا شكلنا؟ وهل هذا شعبنا؟
فمن المعروف أن رجل الشارع هو نموذج لمن نطلق عليهم العوام أو عامة الشعب، الذين يمثلون نواة الشعوب، الأوريـﭼينال! ومن خلال رجل الشارع يقاس مدى ارتقاء الأوطان، ومدى أصالتها، والقيم التى تؤمن بها! وأخشى أن النتيجة لن تكون فى صالحنا إذا قيس وطننا بمعيار مظهر وجوهر رجل الشارع، الذى نراه فى الغناء الشعبى بالمهرجانات، والمواصلات العامة، والشوارع، من عمال، لسائقين، لحامعى القمامة، لتجار، لباعة جائلين، وفلاحين.. وغيرهم! وكل من يعمل فى الشارع ويعتمد فى قوته على قوته البدنية! فما سر ارتباط تلك المهن والفئات بغياب المظهر الإنسانى المهندم اللائق؟
بالتأكيد، هناك ارتباط بين مظهر الإنسان وطريقة تفكيره، وصورته الذهنية عن نفسه وعن البيئة التى يعيش فيها! وهذا هو سر قياس ثقافة الشعوب ومدى تقدمها وارتقائها من خلال مظهر أبنائها العاديين وليسوا المثقفين ولا المتعلمين، ولا أصحاب المهن أو الشهادات العلمية العالية التى ساهم العلم والمعرفة فى تغييرهم وتطويرهم، أو ساهم فى بلورة رقيهم واختلافهم!
ما يجعلنا نتساءل عمن يجب أن تقع عليه المسؤولية الفعلية لتغيير وتطوير رجل الشارع؟ وليس متوقعا ان يكون الرد هو الحكومة، فقط! فأين جهود الجمعيات الأهلية؟ ولماذا يتبنى بعضها قضايا قتلت تطبيقا وممارسة.. دون قياس لللنتائج الحقيقية؟ وأين الدورالحقيقى للمحليات؟ التى ترتضى معاملة الجمهور بأسلوب المتجبرين الذين لا يسمعون ولا يرون إلا ما يريدون! بل ويتغاضى الكثير منهم عن توفير بيئة صالحة بالأحياء التى يعملون بها – أو لعلهم متوافقون هم أنفسهم مع الفساد والقمامة والفوضى والتلوث السمعى والبصرى الذى ينتجه العوام، باعتبارهم من أبناء تل البيئة!
وربما يرى بعضهم أن الشعب الذى يخدمه لا يستحق التنمية ولا التطوير! بل أين تذهب شكاوى المتضررين من فوضى رجل الشارع؟ التى أدت لمقتل السيدة سامية على يدى ذلك البلطجى الذى ظل يجول بحرية فى الشارع بعد خروجه من السجن لارتكابه جريمة سابقة! تلاها تلك الجريمة الشنيعة! ثم أين المسؤولية المجتمعية لكل أجهزة الدولة والقطاع العام والخاص وكل القطاعات التعليمية، والإعلامية، والسينمائية، والصناعية والزراعية ..و..و؟ ولماذ لا يكون تطوير، وتعليم، وتهذيب، وتثقيف رجل الشارع هو المشروع القومى الذى يجمعنا تحت مسؤولية اجتماعية موحدة؟
نظام ونظافة الشارع ليست ترفا ولا رفاهية.. فكلما ازداد الجمال والنظام.. كلما ارتقت المشاعر، وتهذبت النفوس، وتقلصت الميول للشر والكراهية.. وانخفض معدل الجريمة، حتى إشعارات أخرى!