دينا المقدم
كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإدخال بعض العناصر الجديدة على سياستها فى المنطقة العربية، عندما خصصت قسماً من المساعدات، التى تقدمها إلى بعض دول المنطقة لمنظمات المجتمع المدنى وطبقا دع علشان تسيطر عليها، وللترويج لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، غير أن هذا التغيير لم يرق خلال هذه الفترة إلى مستوى سياسة واضحة المعالم.
للولايات المتحدة تاريخ طويل عن الديمقراطية.. ففى عام 1974 بدأت الولايات المتحدة نشاطها فى مجال نشر الديمقراطية، وفى عام 1977 تبلورت الدعوة الخاصة بربط قانون المؤسسات المالية والدولية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ يتم ربط التفاعل الإيجابى بين هذه المؤسسات المالية الدولية والدول الأجنبية بمقدار ما تتبنى تلك الدول السلوك الديمقراطى "وفق التصور الأمريكى" فتفرض عقوبات على دول وتمنع دول وتهاجم دول وتختلف مع دول تحت شعار تطبيق الديمقراطية "اللى مش هيسمع كلامنا عن الديمقراطية هنشده من ودانه".
وعلى مدار سنوات طويلة جاءت شعارات وخطابات الرؤساء الأمريكيين ترسخ هذه الفكرة كان أهمهما على الإطلاق أوباما لأن منطقتنا العربية، تضررت وبعض الدول دمرت نتيجة ديقراطيته.
الرئيس الأمريكى باراك أوباما أكد حقيقة أن الديمقراطية تشكل تحديًا أمام الدول، كما أكد عدم فرض نظام حكم معين على أى دولة، ولكن الحكومات لا بد من أن تعبر عن إرادات شعوبها، فالحرية فى التعبير والقدرة على إدارة الحكم وحكم القانون والمساواة، والشفافية، "ليست أفكاراً وقيماً أمريكية، وإنما هى حقوق الإنسان عموماً، ونحن سندعمها مهما كلفنا ذلك"، ولكن الأمر كلفنا نحن فى المنطقة العربية "أوطان"، سوريا، ليبيا،
العراق، جميعها دول دمرت تحت شعار الديمقراطية، وكادت مصرنا أن تلحقهم لولا عناية الله وجيشها العظيم.
لقد استغلت الولايات المتحدة، وبشكل انتقائى حقوق الإنسان فى إطار السياسة الخارجية الأمريكية، لتأتي ازدواجية المعايير أيضاً فى التعامل مع هذه القضية، حيث يتم التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان فى الدول التى يتم التعامل معها كأعداء، وخصوصا "الدول المارقة"، مثل كوريا الشمالية وإيران، فى حين يتم التغاضي عنها بالنسبة لدول صديقة مثل إسرائيل.
وقد ازداد هذا التوجه الأمريكى تفاقماً ليأخذ شكل الصلف والمطالبة بالاستثناء من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للأعضاء الأمريكيين فى قوات حفظ السلام التابعة للأمم.
ومؤخرا.. الحملات الانتخابية لكل من ترامب "الجمهورى" وبايدن "الديمقراطى" قد ازدادت اشتعالا وخرجت عن المألوف والتقاليد الأمريكية حتى أنها وصلت إلى حد التجريح الشخصى.. وفى الخلف كان الشارع الأمريكى يزداد احتقانا وانقساما بين أنصار هذا وذاك.
ودخل الإعلام طرفا فى القضية منحازا بشدة ضد ترامب، وتوالت استطلاعات الرأى التى تؤكد أن بايدن سيفوز فوزا كاسحا من الساعات الأولى.
وإذا استبعدنا مظاهر المبالغة من قطاع الناخبين فى التأييد أو الرفض لهذا أو لذاك، واستبعدنا كذلك التباين الشديد فى السياسات العامة التى طرحها برنامج كل من المرشحين، فربما أمكن فهم كل ما جرى على أساس أنه من طبيعة الحياة السياسية الأمريكية الثرية بخطاباتها ومفاجأتها أيضا، مع الإقرار بأنه تطور مؤسف وطارئ فرضته ظروف انتخاب ترامب 2016 المفاجئة والتى جاءت عكس كل التقديرات آنذاك.
ولكن الأمر هذه المرة كان مختلفا أو غريبا جدا ولم يسبق له مثيل على الأقل فى المائة عام الأخيرة، لأنه تعلق بأهم ما يفاخر به النظام السياسى الأمريكى على مدى الزمن، وهو الديمقراطية وروح أمريكا "الإيمان بقيم المؤسسين الأوائل".
فقد تجمعت كل المساوئ التى وصمت المشهد العام لتصب فى الخوف إلى حد الهلع من انهيار الديمقراطية الأمريكية وقيمها، ومن تابع كل المناوشات الإعلامية والسياسية بين ترامب وفريقه من ناحية وخصومهم من الحزب الديمقراطى من ناحية ثانية على مدى 4 سنوات، بل وبدءا من اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض، يدرك بسهولة أنه كان خلافا حادا حول الممارسة الديمقراطية.
تلك الديمقراطية التى انكشف أمرها فى مشاهد الـ48 ساعة الماضية، لتنهار هذه الشعارات وتكشف للعالم أن ديمقراطيتهم قد انقلبت عليهم أو ربما مفاهيم الديمقراطية داخل الولايات المتحدة تختلف عن المفاهيم المصدرة للعالم يذكرنى بتاجر الخضروات الغشاش يضع بضاعته فى واجهة العربة وبالداخل كل العفن.
ولا نعلم ماذا سيحدث غدا.. وكيف ستخاطبنا الإدارة الأمريكية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مستقبلا.