دينا المقدم
هذا الدور تدركه مصر جيدا فاستطاعت أن تثبت دورها الفاعل إقليميا، خاصة ما حدث مؤخرا فى الملف اللبنانى والليبى والسودانى والفلسطينى، ودائما هدفها إيصال رسالة واضحة هى أنها لا تقبل بنشر وتصدير الفوضى فى جوارها، وتحرص دائما أيضا على بقاء الدولة الوطنية لجميع دول المنطقة.
وعلى الرغم من محاولة بعض الدول القيام بهذا الدور وكان الفشل حليفها، وربما أدركت هذه الدول الآن أن هذا لا يتسق مع المنطق تماما، لعدة أسباب أهمها على الإطلاق (التاريخ)، ومن الصعب على مصر الكبيرة التخلى طوعًا عن دورها الذى تفرضه تحديات مباشرة على أمنها القومى والتطورات الأخيرة فى محاور الأمن القومى.
فكانت الضرورة الملحة لاستعادة دورها سياسيًا وأمنيا، حيث تعاظمت المخاطر الناجمة فى تصاعد الصراع على الطاقة فى شرق المتوسط، وتعقد الصراع الدولى حول ليبيا مع تدخل تركيا عسكريًا فى غرب ليبيا، وتدهور موقف الجيش الوطنى الليبـى حليف القاهرة، كذلك قضية سد النهضة وتعقيدها، إلى استمرار الاضطرابات فى السودان فى المرحلة الانتقالية بعد انهيار حكم البشير.
فوضعت مصر استراتيجية محكمة للسيطرة على فوضى المنطقة، كى تحافظ فعلاً على مصالحها القومية وكى تتجاوز موقع ردة الفعل لتصبح هى الفاعل، سواء تجاه القضايا الواقعة الحاضرة أو المستقبلية، فكانت الاستراتيجية الكبرى، حيث وظفت الدولة مواردها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والسياسية للحفاظ على ما تراه فى صالحها.
وتتجاوز هذه الاستراتيجية مجرد الحفاظ على البقاء، أو الإبقاء على الحدود سالمة وآمنة فقط، فتقوم الدولة بعقد التحالفات وردع الخصوم واستخدام قوتها الناعمة الثقافية والدبلوماسية لطرح وجهة نظرها، كما تنطلق الاستراتيجية الكبرى من استيعاب مخططى السياسة الخارجية للدولة لحقائق وجودها الجيواستراتيجى والتاريخى ومتغيرات الواقع الحالى.
أى أن الاستراتيجية الكبرى تعنى باختصار أن الدولة لا تتصرف حيال مصالحها، بضرورات الأمن فقط
والتـى تركز على المخاطر، بل تسعى أيضًا إلى خلق فرص السياسة، حيث لا توجد معادلات صفرية، بل مصالح معقدة ومتشابكة تقتضى وضوح الرؤية وامتلاك الأدوات والموارد الكافية للوصول إلى الأهداف.
إن ما يفرق "الخطط" عن "الاستراتيجيات" هو أن الأخيرة ذات طبيعة صراعية، وفى سياق الشرق الأوسط الذى يتسم بالسيولة والتصارع المستمر، لا يوجد مكان للخطط، بل لاستراتيجيات مرنة وقادرة على التنبؤ بالتغير فى شبكة التحالفات والخصوم، وبناء عليه قد نجحت الاستراتيجية المصرية فى ترتيب أوراق السياسة الخارجية، مثلما تفوقت فى ترتيب الداخل.. شكرا للجمهورية الحديثة.