دينا المقدم
هذا التعليق على عودة "طالبان" إلى الحكم فى أفغانستان، صدر أمس عن قائد أركان الدفاع البريطانى نيك كارتر، وهو يأتى فى خضم سيل من التأكيدات والتطمينات التى يطلقها قادة هذه الحركة، بأنهم لن يسمحوا بأن تستخدم أفغانستان، من جديد، منطلقا لنشاط يمس أمن دول العالم.
أعتقد مهما حاولت طالبان إرسال رسائل أنها مختلفة عن ما كانت سابقاً، فإنها تخادع وتغازل العالم الذى أصبح منفتحا جدا عن العشرين عاماً، التى غابت فيها طالبان، ولكن يقيناً طالبان اليوم هى نفسها طالبان قبل 20-25 عاما، إلا أنها تطلق تصريحات فيها موائمات لكسب ود الأفغان والمجتمع الدولى، وإلا لن تستطيع أن تتواجد مرة أخرى.
يعد دستور طالبان الصادر 2005، مؤشرا على نظام الحكم، حاملا شعار "إن الحكم إلا لله"، وفقا للمادة الثانية، ونصت المادة الأولى فيه على أن "أفغانستان إمارة إسلامية، حرة، مستقلة، واحدة غير قابلة للتجزئة".
أى أن جميع الشعارات المطروحة الآن ومحاولة طالبان أن تغازل العالم، بأنها سترعى حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ما هى إلا محاولة منها للاندماج والتعاون، وهذا الاختبار قطعا وضعته الولايات المتحدة الأمريكية، لتكتشف هل سيتقبل العالم الحركة الجديدة على وضعها الجديد أم لا!!
ومحاولة منها أيضا لتجميل الفشل الاستخباراتى الأمريكى، الذى أودى بسقوط أفغانستان بهذه السرعة فى يد طالبان تاركة لها الأسلحة الحديثة، والتى لا تعرف عن استخدامها طالبان شيئا، هذا ما فعلته أمريكا .. لم تقض على حركة طالبان، بل منحتها قبلة الحياة مرة الأخرى ولكن مشروطة.
لو أنها تركت لنا الأمر لعاملناهم معاملة الخارج عن القانون، وقضى الأمر كما فعلنا بجماعة الإخوان الإرهابية أيضاً.
مما لا شك فيه أن نظام الحكم الطالبانى الجديد، سوف يفرز نظام حكم قريب من نظام ولاية الفقيه فى إيران؛ حيث تمنح بنوده كامل الصلاحيات لزعيم الحركة، الملقب بـ"أمير المؤمنين"، على غرار مرشد إيران، وتبدأ رسائلهم وأفعالهم بعد التمكين الكامل، ليظهر الوجه الحقيقى لدستور الحركة.
وحتى لا يتهمنا البلهاء بأننا لا نريد حكم الله كما نص عليه دستور طالبان، نجد أنفسنا أمام السؤال الأهم على الإطلاق "أى شرع يريدون تطبيقه.. شرع الله أم شرعهم هم؟"، فلا يمكننا أن ننسى أن قيادة القاعدة كانت تتخذ من أفغانستان مقراً أساسياً لها خلال حكم طالبان، فى تسعينات القرن الماضى.
وأقام التنظيم آنذاك معسكرات تدريب خرجت آلاف المقاتلين، وكانت الأراضى الأفغانية الساحة التى تدرب فيها منفذو هجمات 11 سبتمبر "أيلول" 2001 ضد الولايات المتحدة.
ولا يمكن أن نغفل علاقتها بداعش والقاعدة، رغم الغموض الذى يغلف هذه العلاقات حالياً، وإن تعمقنا فى سرد تاريخ جرائم حركة طالبان لن تكفينا مئات المقالات، كما أنه ليس واضحاً أيضاً ما إذا كان من يعرفون بـ"الأفغان العرب"، سيحاولون من جديد العودة إلى أفغانستان، لإحياء روابطهم القديمة مع "طالبان الجديدة" أم لا، ومن بين هؤلاء مصريون وليبيون وجزائريون وغيرهم من الجنسيات العربية.
وبعض التنظيمات السابقة لهؤلاء لم تعد موجودة إلى حد كبير، واندثرت أو باتت جزءاً من تنظيمات أخرى، كالجماعة الإسلامية المقاتلة فى ليبيا والجماعة السلفية للدعوة والقتال فى الجزائر، وحتى جماعة الجهاد المصرية.
علينا أن نعى الأمر الهام على الإطلاق أن هناك جيلين بين إحياء حركة طالبان وموتها.. جيل الشباب الأفغانى الذى عاصر التحديث والتكنولوجيا وعاش بعض مظاهر وحقوق الإنسانية على يد الحكم الأمريكى لأفغانستان، وبطبيعة الحال سيرفض تواجد طالبان مرة أخرى، وكان لنا فى مشاهد مطار كابول خير مثال.
وجيل آخر منتشر فى العالم دائما ما أسميه براعم الإرهاب، وهو جيل لم يشهد جرائم طالبان، ومن السهل جدا استقطابه وتجنيده، خاصة بعد سهولة التواصل والوصول إليه.
لذلك لا يجب أن تتوقف الدول الحرة عن مكافحة ومحاربة الإرهاب بالتوعية والتنوير والمراقبة، فالإرهاب يتلون دائما: سيبهرون العالم قريبا بتصريحات تخدع العقول، فهم مثل الأفاعى تغير جلدها بحسب البيئة المحيطة بها، تتلون بألوان الطبيعة المحيطة تموه الآخرين وتخدعهم، وكل من تخشاهم بشر وحيوانات مفترسة على رأسهم الصقور والنسور، ومن يمثلون خطرا عليها وعلى فكرة بقائها على قيد الحياة.
ومن الواضح أن هذا الفصيل قد دخل مرحلة جديدة مقتبسة من الأفاعى، وهى مرحلة التلون وتغيير الجلد، أما السم فهو متوافر لديهم منذ أن انطلقوا، فهو سلاحهم الأول والأقوى والأكثر شيوعا، وهم يملكون تجارب كثيرة فى تغيير المسارات وتبديل الحلفاء واختيار الأصدقاء، وحتى فى مساندة الطغاة، وقد كانت تلك متطلبات مراحل وسياسة تكتيكية يذهبون إليها حسب الظروف، ولكنهم اليوم يستعينون بعلم الأفاعى لأنه ملاذهم الأخير.
احذورا وأعدوا عدة الحرب فالتاريخ يعيد نفسه والبشر لا يتعلمون أبدا.. الحرب حرب وعى وتنوير وتنقية وتصحيح ورفض تام لأى اندماج أو تعاون، وأخيرا لربما بحماقتهم، طالبان تدق المسمار الأخير فى نعش التيارات السياسية الإسلامية.