مريم عيد
يشعر بتردد كبير قبلما يقدم على اتخاذ أية خطوة فى حياته، يتذبذب بين ذلك وبين ميله أحياناً إلى العنف.. لكن غضبه الداخلى يفوق كثيراً غضبه المعلن فى معظم الأحيان، هو بالفعل يغضب ويثور، وربما يعبر عن غضبه برفع صوته وباستخدام بعض الكلمات القاسية قليلاً عن المعتاد.
غاضب لكن غضبه من والديه يكون مكتوماً وعميقاً ودفيناً.. يمكنه أن يكتفى أحياناً بأن يتمتم ببعض العبارات القليلة المدغمة ليعبر عن ذلك الغضب الدفين، ولكنه غالباً ما كان يحتفظ ببركان غضبه منهما بداخل أعماق نفسه دونما أن يلفظ حمماً وقذائف.
لم يكن غضبه شبه المتكرر من والديه بسبب أخطاء مباشرة لهما، بل كثيراً ما كان يستحضر قواه الانفعالية، ويستجمع طاقات غضبه الكامنة بسبب وبدون سبب. فعند أى ذكرى عابرة لبعض المواقف الخاطئة فى حياته، أو عند أية مشكلة عارضة يصادفها يظهر والداه أمامه بإلحاح كسبب مباشر لكل تلك الأخطاء والمشاكل.. أحياناً يلقى باللوم على أحدهما فقط، ويبرئ الآخر ولكنه غالباً ما يلقى باللوم عليهما معاً فقد اشتركا معاً فى إفساد حياته على نحو ما مبهم.
الطريف أن إلقائه باللوم عليهما كان يحمل فى طياته متناقضات شتى فأحياناً يلوم عليهما بخلهما وتقتيرهما، وأخرى يلوم كرمهما وإسرافهما الزائد فى مناحى كان يمكن التوفير فيها.. بعض الأحيان ينتقد طيبتهما الزائدة عن الحد وعدم وعيهما بالحياة، وفى بعض الأحيان يلوم حكمتهما الزائدة عن الحد، وتعقلهما الفائق الذى يمنعهما من تقديم النصح اللائق له فى الأوقات المناسبة، وتركه يتخبط فى بعض قراراته وأموره فى الحياة.. لكنه لم يكن يشعر بشىء من التناقض فى كل ذلك، فكل أمر يكون له أسبابه ومبرراته المسبقة والمجهزة بعناية لديه، والمصممة خصيصاً ليلبس رداء الاتهام لوالديه بإحكام.
انتهى من تناول طعام الإفطار قبل الجميع ثم عاد إلى غرفته، تذكر أن يبحث عن هاتفه الخلوي، وأثناء رحلة بحثه مر بوالديه الذين كانا مازالا يتناولان الطعام على مهل، ويتجاذبان أطراف الحديث، كان وقع أقدامه خفيفاً فكثيراً ما كان والداه يمزحان معه عندما يجداه فجأة أمامهما بأن وقع أقدامه يشبه اللصوص لا يشعر بهم أحد ولا يحس أحد بقدومهم، ودونما قصد منه وصل حديثهما إلى مسامعه:
- يعنى عاجبك قعدته فى البيت عاطل من غير شغلة ولا مشغلة.
- دى مش مشكلته لوحده دى مشكلة كتير من الشباب، البطالة أزمة عالمية.
- أنا عن نفسى لا يمكن أكلم الناس بتوع مجلس إدارة الشركة اللى قدم فيها، الناس دول معرفتى بيهم سطحية، مجرد كنا زملاء عمل زمان لفترة وجيزة، لا يمكن أتودد ليهم فجأة، زيه زى كل الناس، لو انطبقت عليه الشروط هيقبلوه، لو مش هيقبل يقدم فى ميت وظيفة غيرها.
- زى ما تحب.
- يعنى مش لو كان شد حيله شوية فى المذاكرة فى ثانوية عامة كان عرف يدخل كلية أحسن.
- ابن عمه خريج هندسة ولسه ما اشتغلش، كل الكليات دلوقت بتقعد فى البيت، بكرة يشتغل فى وظيفة كويسة.
عاد إلى غرفته وهو يشعر بأنه قد تلقى عدداً من الجلدات على روحه، أحس بنفسه تذوب بداخله، ظل قلبه قتيلاً بداخله، حاول أن يخرج من عالم السكون الذى أدخلته إليه كلمات والديه، بتصفح الإنترنت على جهازه اللوحى.. عالم واسع مترامى الأطراف يمتد بطول الكون وعرضه يحمل زخماً هائلاً من الأخبار والمعلومات ومقاطع الفيديو، ومواقع التواصل الاجتماعى يميزها اللونين الأزرق والأخضر، ثم تقوده تلك البوابات السحرية إلى العديد من البوابات السحرية الأخرى والتى لا حصر لها.. كما كانت تفعل أليس فى بلاد العجائب تلك القصة المصورة التى كانت تقرأها له أمه وهو صغير.
كان يمكنه أن يقع يومياً بين حبائل تلك الشبكة العنكبوتية لعدة ساعات دون أن يحس بمرور الوقت، وكأنها تمارس عليه نوعاً من أنواع السحر، ترقيه برقية من نوع خاص وتعويذة سحرية ليظل أسيراً لها لعدة ساعات متواصلة، وهى أيضاً أسيرة له فهى طيعة وسهلة مثل خادم المصباح فى قصص علاء الدين، وكأن الانجذاب بينهما متبادلاً.. مرت برهة من الوقت اكتشف أنها كانت مجرد مسكن لغضبه، ثم ظهر غضبه مجدداً بقوة، بعد أن كان ما تطرق إلى مسامعه من حديث والديه قد وضع حجر الأساس لصرح غضبه العملاق لهذا اليوم، وشيئاً فشيئاً بدأ البناء يكتمل حتى صار يناطح السحاب. صفحة بحيرة عقله الهادئة التى استيقظ بها صباح اليوم أخذت تتلاطم فوقها الأمواج، وتنوء بها العواصف والرياح العاتية.. إن والداه هما السبب المباشر فيما هو فيه الآن من بطالة لأنهما دائماً ما كانا يكدران صفو حياته بانتقاداتهما اللاذعة له، فأمه تنشد المطلق فى الحياة، وأبيه ينشد دائماً الكمال فى كل شيء، يؤنب الجميع باستمرار على أخطائهم، هو بطبعه شخصية تأنيبية منذ أن تفتحت عيناه عليه. إنهما فى التواصل الإنسانى صفر، ولكنهما فى الضمير الإنسانى تُرفع لهما القبعة. يوجد أشخاص على العكس تماماً منهما لا ضمير لهم ولكنهم فى مضمار التواصل الإنسانى أساتذة وذوى خبرات.
أعطى هاتفه تنويهاً برسالة "أنا رجعت من البنك"، تحاول أن تكثف رسائلها إليه، وتكثر من دردشاتها ورسائلها النصية. يعرف جيداً دوافعها فى الاطمئنان على مستقبلها، لكنه لم يعدها بشيء، ولا ينوى الارتباط بها، ولا ينوى الارتباط من الأساس فى تلك السنوات، فهو يدرك أنه مازال فى مقتبل العمر. مازال لا يفهم معنى أن تتوالى عليه المراحل الدراسية واحدة تلو الأخرى، ثم تقف عند النهاية ولو لبرهة فى مفترق طرق مازالت غير واضحة المعالم، لماذا تعلم إذاً؟ أليصبح عاطلاً؟ هل سيرتبط وهو مازال عالة على والديه! لا يعجبه أن يفعل بعض زملائه وأقاربه ذلك، ماذا سيكون توصيفه "عالة ويعول"!
باغتته ذكريات قديمة مفاجئة لماذا قام أبوه وأمه بتعنيفه عندما عاد متأخراً ذات ليلة من النادى لأن الأستاذ شادى دعى جميع أصدقاء الشلة المتواجدين وأطفالهم إلى بيته لحضور حفل عيد الميلاد الأول لابنه.. لماذا ضرباه؟ ألم يحكى لهما عن سبب تأخيره!
لست أدرى لماذا كل أحلامى لا تزال تدور أحداثها فى منزلنا القديم الذى انتقلنا منه منذ ما يقرب من خمسة عشر عاماً.. أليست كل أحداث يومى الحالى تجرى فى منزلنا الجديد، والعقل الباطن يردد بطريقته فى الأحلام ما يحدث خلال اليوم .. ولكننى قرأت يوماً فى إحدى المجلات العلمية خبراً مدلوله أنه إذا انتقل الإنسان للإقامة من مكان إلى آخر، ومهما امتد به العمر فإن منزله الأول يظل غالباً هو خلفية الأحداث فى أحلامه، فعرفت أن ما يحدث لى منطقى وأن ما آراه فى الأحلام يستند إلى واقع علمي، ولو أن المقال لم يقدم أسباباً علمية لذلك.. أخى الصغير جاءته مكالمة على الهاتف.. إنه يجرى.. أجرى وراءه.. أسأله ما هو السبب؟ يجرى مسرعاً دون أن يجيبنى.. إلى أن اجتزنا باب الشقة وخرجنا إلى أن وصلنا إلى نهاية سلم العمارة.. صوت دوى انفجارات عالية ورائحة دخان وكبريت.. هنا قال لى أخى "يحدث انفجار فى الجراج الموجود أسفل عمارتنا".. اجتاز أخى البوابة الحديدية.. امتد الحريق.. احترق تقريباً النصف الأيمن الذى توجد به شقتنا.. أنا ما زلت على السلالم سمعت صوت أخى من الخارج: "سلامتك يا بابى، يا حبيبتى يا مامى".. سمعته وأنا ما زلت على السلالم.. تركنا أبى نائماً فى المنزل.. آه أنا سأرجع لأوقظه، وأخذه معى ولكن أبى مسن ربما يعطلني.. مهما حدث حتى لو اضطررت لحمله سأفعلها.. الناس تأتى أصواتهم من خارج العمارة مع أخي: "يا حول الله .. يا ساتر يارب اشتعلت العمارة والمنطقة بأسرها".
قلت لنفسى: "الحى أبقى من الميت" هل هذا نداء العقل؟.. بما أن الجانب الأيمن قد احترق تماماً، والنيران بدأت تظهر فى الجانب الآخر.. هل معنى ذلك أنه منطقياً أن كل الناس قد احترقوا وماتوا بما فيهم أبى فلا داعى لأن أعود إليه.. ولكن أين نداء البنوة والواجب؟.. ربما تحدث المعجزة.. فى كل الأفلام السينمائية عندما يحدث موقف مشابه، كثيراً ما يدخل البطل مغامراً إلى المكان الذى يكون قد احترق بالفعل، وينقذ من يحبه ويهمه أمره، والجميع يخرجون سلماء فى النهاية.. يا حبيبتى يا أمي، يا حبيبى يا أبى.. لابد أن أنقذكما.. ظللت ألهث وأنا ممزق بين نداء الضمير ونداء العقل لفترة من الوقت إلى أن تفتحت عيناى على أضواء.. إنها الأضواء المنبعثة من زجاج باب غرفتى المغلق.. إننى أحلم!
بعد عدة أشهر دخل والدى إلى غرفة العناية المركزة نتيجة إصابته بجلطة فى المخ.. قال الأطباء أنه لو لم يفق من غيبوبته فى خلال ثمان وأربعين ساعة، بذلك يكون قد انتهى أى أمل فى شفائه مرة أخري.. مرت ساعات هذين اليومين بطيئة للغاية.. جلست فى الردهة الخارجية لغرفة العناية المركزة، وفى المقاعد المجاورة لى جلست أمى منهارة تبكى، وأختى التى تصغرنى بخمسة أعوام تحاول أن تهدأ من روعها وهى تبكى أيضاً.. مسكينة أمه لأول مرة يحس أنها ضعيفة ولا حول ولا قوة لها فى الحياة.. كذلك أخته حزينة وحائرة.
لم يستطع بالطبع أن يبعد عن عقله هاجس أنه ماذا لو مات والده؟ "لماذا هذا التشاؤم.. ولكنه احتمال قائم، ألم يقل الأطباء ذلك؟".. كم كان يحب أبيه طيلة عمره على الرغم مما كان عليه أبيه من بعض القسوة تجاهه.. ماذا لو فارقهم بالفعل؟
مرت الساعات تلو الساعات تدفع بعضها بعضاً فى تثاقل شديد.. مر الطبيب أمامهم ليدخل غرفة العناية المركزة.. زاد ذلك من قلق الجميع.. تسارعت ضربات قلوبهم، ماذا يا ترى سيقول لهم الطبيب بعد لحظات.. خرج الطبيب بملامح محايدة:
- إزى بابا يا دكتور؟
- الحمد لله، فاق دلوقت.
- نقدر نشوفه؟
- تقدروا.
حول سرير الأب التفوا جميعاً.. كان الأب مرتكناً بظهره على السرير وخلفه وسادة.. تكلم قليلاً معهم.. نظر له بامتنان وإكبار: "البركة فيك.. إنت بقيت دلوقت راجل.. إنت إنسان ممتاز".
لأول مرة يشعر أن والده راضٍ عنه، وبأنه معجب بسلوكياته فى الحياة.. تأمل والده لفترة طويلة.. برغم مرضه أحس أنه قوياً وكأنه قد اجتاز من الموت إلى الحياة.