مريم عيد
بدأ هيكل عمله الصحفى فى جريدة "الإيجبشاين جازيت" والتى كانت ملتقى لعدد من الكتاب والصحفيين والمراسلين الأجانب، وتابع أخبار الحرب العالمية الثانية من خلال تغطياته لأحداث معركة العلمين، كما انتقل إلى آخر ساعة وترأس تحريرها، واشتهر بتحقيقاته الصحفية الهامة والمبتكرة، ولقاءاته مع العديد من الشخصيات الشهيرة مثار الجدل، وأصبح رئيساً لتحرير الأهرام فى يوليو 1957 حيث بدأ كتابة مقاله الصحفى الأسبوعى "بصراحة" واستمر فى كتابته لعدة سنوات، وأصبح "بصراحة" أهم مقال فى العالم العربى وكانت الإذاعة المصرية تقوم بقراءته، وقد حقق هيكل قفزة صحفية لجريدة الأهرام بعد أن كانت قد أوشكت على الإفلاس حيث ازدادت مبيعاتها بصورة غير مسبوقة، وحققت أرباحاً هائلة، وأصبحت واحدة من أهم الصحف فى العالم، فكان هيكل رائداً فى التطوير المؤسسى والصحفى.
من أقوال هيكل المأثورة: "الاهتمام بالسياسة فكراً وعملاً، يقتضى قراءة التاريخ أولاً لأن الذين لا يعلمون ما حدث قبل أن يولدوا محكوم عليهم أن يظلوا أطفالاً طول عمرهم".
إن علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر ليست هى سر قوته، ولكن سر قوته الحقيقية يكمن بالطبع فى موهبته الصحفية.
يُنقل عن الزعيم السورى "شكرى القوتلى" أيام وحدة مصر وسوريا فى 1958 أنه كان يهمه أن يعرف هيكل جيداً، وكأنه بذلك سوف يفتح قلب جمال عبد الناصر، فقد تابع هيكل أحداث ثورة 52 عن قرب منذ فجر قيامها.. رأى جمال عبد الناصر، ومحمد حسنين هيكل كل منهما نفسه فى الآخر فوجدا وطنية صادقة، ومسؤولية مجتمعية، وعقلاً ثاقباً، ومقدرة استثنائية فى الحكم على مجريات الأمور.
كان الكثيرون يحاولون تشويه هيكل الذى سُئل ذات مرة إن كان يعد نفسه لرئاسة الجمهورية فأجاب بالنفى القاطع.
عُرض على هيكل أن يكون وزير شؤون رئاسة الجمهورية، كما عرض عليه أن يكون نائباً لرئيس الوزراء فى حكومة "ممدوح سالم" لكن كان من رأيه أن أى مسؤول سيأتى عليه وقت ليصبح "مسؤول سابق" وهذا لا يحدث مع الكتاب أو الصحفيين، فلا يوجد "صحفى سابق" أو "كاتب سابق" فالكاتب يبقى.
اتهم البعض هيكل بالغرور، ولكن كلمة السر تكمن فى شخص جمال عبد الناصر والذى، اتفقنا أو اختلفنا معه، لا يستطيع أحد أن ينكر تأثيره القيادى فى تصدير الكرامة الوطنية والإنسانية للملايين من الأجيال المتتالية.
كان هناك الكثير من الزعماء الوطنيين الذين سبقوه، وكان لهم تأثيرهم بالطبع فى تعليم الشعوب الوطنية، لكن جمال عبد الناصر أضاف الاعتزاز بتلك الوطنية وكرس للكبرياء المصرى والعربى فنشأت أجيالاً ثورية واثقة من نفسها ترفع رأسها عالياً، وظهرت ثمار ذلك فى الثورات العربية المعاصرة لناصر، وحتى الآن مازالت الثورات العربية ترتفع فيها صور جمال عبد الناصر عالياً، فقد رأيناها فى 30 يونيو.
فإن كان تأثيره قد امتد إلى كل هؤلاء من معاصريه ومن غير معاصريه الذين قرأوا وسمعوا عنه، وهم يشاهدونه عبر شاشات التلفاز والسينما وعلى صفحات الجرائد والمجلات.. فكم يكون الحال إذاً مع من أهداه مكانة خاصة بداخل قلبه!
فكم بالحرى يكون من كان يشاهده ويحادثه وجهاً لوجه، ألا يمنحه هذا فخراً وطنياً وإنسانياً خاصاً، يخيل لمن يراه أنه قد وصل إلى حد الغرور وهو كان جليس ونديم من يقول: "ارفع رأسك يا أخى، فقد مضى عهد الاستعباد".
واقع الأمور أن هيكل لم يكن له أهداف سوى مهنته وعمله فقط ولم يكن يعتز بشىء سوى بكونه صحفياً، أراد المجد للصحافة المصرية لتصبح صاحبة جلالة وبلاطاً إعلامياً وتنويرياً، فهل لكونه مخلصاً لعمله يمكن نعته بالغرور؟ .
كان هيكل أكبر من المناصب، فلم يكن يستمد قيمته من منصبه، ولكنه كان يضيف للمنصب قيمةً وثقلاً إنسانياً وفكرياً، ليجعل من الصحفى مهنة جديرة بالاحترام.
الأهم عنده هو كتاباته بدليل أنه لم يواصل عمله فى العهود التالية لناصر بعد خروجه من رئاسة تحرير الأهرام فى 8 فبراير 1974، وأيضاً لم ينته بموت عبد الناصر، ولم تحبطه الإطاحة به ولكنه استمر فى الكتابة بصورة مستقلة، وفى الإدلاء بالأحاديث الصحفية والتليفزيونية.
فإذا تحدث الأستاذ هيكل أصغى الجميع!! كما ظلت حياة هيكل الشخصية وحياة أفراد أسرته بعيدة عن الأضواء فلم يكن هدفه هو المجد والشهرة، ولو أنه كان أهلاً لهما.
ذكر السير أنتونى ناتنج وزير الدولة للشئون الخارجية فى الحكومة البريطانية إبان توقيع اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا، ومؤلف كتاب "ناصر" لهيئة الإذاعة البريطانية فى 1978 عن هيكل: "عندما كان هيكل قرب السلطة كان الكل يهتم بما يعرف.. وعندما ابتعد عنها تحول اهتمام الكل إلى ما يفكر فيه".
تحية للأستاذ محمد حسنين هيكل فى ذكراه اليوم 17 فبراير، تحية من قلب الوطن وعقله إلى من نقل الكاتب المصرى من الجداريات إلى صفحات الجرائد، وإلى من حول النقوش الفرعونية فى معابد الفراعنة إلى كتاباته ومقالاته وروحه وأرواحنا لتصبح نقوشاً فى بلاط صاحبة الجلالة، وفى ذاكرة الوطن.