البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
توفى منذ عدة أيام الممثل الأمريكى "جورج سيجال"، أحد الأربع شخصيات فى فيلم "من يخاف من فيرجينيا وولف؟" من إنتاج عام 1966، والذى كان من بطولة إليزابيث تايلور، وريتشارد بيرتون، ثم جورج سيجال، وساندى دينيس.

الفيلم مأخوذ عن مسرحية الكاتب الأمريكى "إدوارد أُلبى"، والتى ظهرت على مسارح برودواى للمرة الأولى فى أكتوبر 1962... كان الزوجان السينمائيان إليزابيث تايلور، وريتشارد بيرتون فى هذا الوقت ملكين متوجين على عرش السينما الأمريكية، وعلى قلوب محبيهم فى جميع أنحاء العالم وإلى يومنا هذا.

ظهر الفيلم بالأبيض والأسود وليس الألوان، والتى كانت متاحة بالفعل لأفلام تلك الفترة وذلك لإضفاء مسحة تجريدية تتطلبها قصة الفيلم. اضطرت إليزابيث تايلور إلى زيادة وزنها بعض الشىء فى هذا الفيلم الذى يتناول قصة زوجين فى الخمسينيات من عمرهما لأن إليزابيث تايلور كانت فى الثلاثينيات فقط من عمرها، وقد رشح الفيلم لعدة جوائز أوسكار وحصد بالفعل خمس جوائز.

قصة الفيلم كمعظم أعمال إدوارد ألبى تركز على اللغة والفكرة أكثر من الحدث الدرامى، والذى يدور فى غرفة معيشة الزوجين: "جورج" أستاذ التاريخ بالجامعة، والذى قام بدوره ريتشارد بيرتون، وزوجته ابنة رئيس الجامعة "مرثا" أو إليزابيث تايلور.

يبدأ الفيلم بعودة الزوجين جورج ومرثا إلى بيتهما متأخرين عقب إحدى الحفلات الجامعية، حيث يكونان بانتظار زوجين آخرين هما الأستاذ الجامعى "نيك"، والذى قام بدوره جورج سيجال، وزوجته "هونى" أو ساندى دينيس... يتجاذب الجميع أطراف الحديث طوال الفيلم، والتى يتضح منها بعض التفاصيل فى حياتهم الشخصية، حيث يبدو أن حياة جورج ومرثا تتسم بكثير من العناد والمشاكسة إلا أنها تنطوى فى نفس الوقت على حبٍ قائمٍ بينهما، ونسمع من خلال الحديث عن "ابنهما".

تحاول مرثا إثارة غيرة جورج بالاهتمام بـ نيك، فيقرر جورج الانتقام منها بإعلان خبر "وفاة ابنهما"، ليتضح لنا بعد ذلك أنهما ليس لديهما أية أبناء من الأساس.. ينتهى الفيلم وقد اقترب الزوجان من بعضهما أكثر وهما يغنيان إحدى أغنيات أفلام والت ديزنى ،والذى يشير إليه عنوان الفيلم "من يخاف من فيرجينيا وولف؟".

أما اسم فيرجينيا وولف ذاته فهو اسم كاتبة إنجليزية شهيرة ورائدة لأسلوب تيار الوعى فى الأدب، ومن المعروف أن حياة فيرجينيا وولف قد انتهت بالانتحار... لكن ماهى دلالة الفيلم؟ وإلام يرمز الابن المُتخيل؟.. لقد قام الزوجان بتخيل وجود الابن طوال تلك السنوات للحرص على استمرار علاقتهما، حتى يكون هناك ما يدعم بقاء زواجهما، وتواجدهما معاً، فيشير الابن إلى الوهم فى حياة البشر، التوهم مقابل الحقيقة، وأن الوهم أحيانا، يكون دافعا إلى تقبل بعض مشكلات الحياة، والتعامل مع قسوتها.

هل بعض الوهم يكون بالفعل دافعا لاستمرار الحياة؟ بأن نتوهم معطيات لا توجد بالفعل، أو لا توجد بتلك الصورة الكاملة المشرقة التى ننشدها، ونرتضيها، ونتمناها بأننا جميلون أو موهوبون أو متميزون أو على ما يرام.

فى تلك الحالة، هل تعتبر الإيجابية فى التفكير أو التفاؤل نوعا من الوهم الحميد، والذى يسهم فى استمرار الحياة على كوكب الأرض؟ عندما سُئل المؤلف إدوارد ألبى عن توضيح لمغزى العنوان من ذا الذى يخاف من فيرجينا وولف؟، أجاب بأن المقصود هو من الذى يخاف من أن يعيش الحياة بدون أوهام. من خلال العمل الأدبى يمتد إدوارد ألبى بالوهم الفردى إلى الوهم فى حياة الأمم أيضاً عن طريق "الحلم الأمريكى" بتحقيق النجاح والسعادة، لنكتشف أن هذا الحلم الأمريكى لا يزال مفقوداً، ويمتلك قدراً من الزيف، وعدم الرضا.

لقد نجحت أمريكا بالفعل، فى تصدير الحلم الأمريكى إلى جميع دول العالم، فجميع الدول تنشد أن تكون مثل أمريكا، بتقدم أمريكا، وبرفاهية أمريكا... لكن أمريكا ذاتها بشهادة كتابها ومفكريها مازالت غير راضية عن حلمها الأمريكى.

وعلى المستوى الشخصى، وبعيداً عن محور قضية الفيلم، كان يروق لى فى طفولتى حوار هذا الفيلم، وآراه ممتعا، وكنت أجد فى أداء ريتشارد بيرتون وإليزابيث تايلور ما يذكرنى بوالدى ووالدتى، فهما جامعيان ومثقفان وحديثهما يميل إلى أن يكون متفتحا وتلقائيا مثل بطلى الفيلم، فعلى وجه العموم ليس المثقفون ثقيلى الظل أو معقدين أو بصورة المثقف السلبية فى السينما العربية، وكأن المثقفين كريهون أو متفلسفون فى غير وقته، وليسوا بحيوية وتلقائية بطلى الفيلم الأمريكى.

أما على المستوى الوطنى فكانت فترات حظر التجول فى أعقاب أحداث 25 يناير 2011، تستدعى موضوع تلك المسرحية المأخوذ عنها فيلم " من يخاف من فيرجينيا وولف؟" كنا بلا دولة، بلا حكومة، بلا رئيس، أين ذهبت مصر؟ هل كانت الدولة فيما مضى هى ذلك الوهم الذى يتحدث عنه الفيلم! أليس لحظات وجود هذا الوهم كانت أفضل من وضع اللادولة!.

كان لابد من التغيير، الرئيس مبارك نفسه أيد العمل الثورى... لكن بعض التغييرات وإن كانت مدمرة لبعض الوقت إلا أنها ضرورية... الأغانى الوطنية التى يرددها المذياع والتلفاز كانت تطمئننا قليلاً فى أنه لا يزال لدينا وطن، ولكن أين الدولة؟ أين ذهبت الدولة؟ لا يوجد وطن بلا دولة، وإلا أصبحت البلاد بقعة من كوكب الأرض يسكنها بشر، كان علينا قبل أن نطيح بالدولة، أن نوفر البديل لها، وإلا فنحن مقبلون على نفق مظلم.

يبدو أن نفق الشهيد أحمد حمدى هو واقع مرورى ووطنى فى ذات الوقت. اُطفئت الأنوار فى نفق الشهيد أحمد حمدى، وحدث ما حدث حتى استطعنا أخيراً الخروج منه. كان المشهد الوطنى فى فترات حظر التجول إبان 25 يناير يدفع إلى نوع من الوجودية السياسية التى اختبرناها للمرة الأولى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز