مريم عيد
يحمل مشهد استشهاد المواطن حبشى أبعادًا كثيرة مُتناقضة.. قتل يتسم بالخسة والنذالة، والمؤسف والغريب أن القتلة يفعلون ذلك باسم الدين، والقاتل يردد آيات قرآنية لا علاقة لها بالموقف أو بالقتيل تتحدث عن جواز حدوث اقتتال مع النصارى الذين يقاتلون المسلمين، رغم أن القتلة هم المُعتدون وقد اختطفوا القتيل منذ ثلاثة أشهر.
تتحدث الآيات التى تلاها القاتل عن الجزية، فلماذا لم يعرض القتلة على القتيل دفع مبلغ الجزية المطلوب؟ لكنهم طلبوا من أسرته دفع ملايين الجنيهات، وهذا ليس مبلغ جزية بأى حال من الأحوال، لكنهم فعلوا مثلما يفعل أى تنظيم عصابى، ليضيف هذا إلى المشهد بجانب الخسة والنذالة قدرًا من الغرابة، وعددًا من علامات التعجب والاستفهام؟!
وكأنهم لم يسمعوا يومًا عن أنه "لا إكراه فى الدين" بل إنه حتى فى حالة حدوث حرب واقتتال "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها"، فكيف يكون الاعتداء على مواطن مسالم؟!.. وبوجه عام أيضًا فإنه عند انتشار الإسلام لم يكن يهدف إلى قتل الناس، لكن على العكس إلى حمايتهم من القتل، وحديثًا لحق بالمجتمعات تغييرات جذرية حتى أصبحنا نرى التحاق المسيحيين بالجيوش مع إخوتهم المسلمين.
الشهيد أسدى خدمات جليلة، ووفر على الدولة مبالغ، وأسهم فى بناء كنيسة إذًا فهو يؤمن بالله وباليوم الآخر وليس هو المقصود من الآيات الكريمة، التى رددها القتلة، والمقصود بها هو من وصل إلى حد الكفر فى بطشه واعتدائه على المسلمين، كما أن حديثهم قد طال الجيش المصرى أيضًا، وهو الموصوف بأنه "خير أجناد الأرض" معتبرين أن دعمه ومساندته جريمة وليس فضيلة، وكأنه عدوٌ مبين، فإلى أى الجيوش كانوا يريدون أن يكون ولاء الشهيد سوى لجيش بلاده؟!
يوجهون تهديدهم فى مقطع الفيديو إلى مسيحيى مصر العُصاة على أى تهديد أو اضطهاد على مر العصور، حتى أصبح يطلق على التقويم المصرى "تقويم الشهداء"، يخالفون بهذا عقيدتهم التى تحضهم تحديدًا على أن يستوصوا بأهل مصر خيرًا، إنما القاتل يردد فقط آيات ليست فى موضعها، ولا علاقة لها بالقتيل المتواجد فى ديار قد بُشرت بالفعل بالإسلام، ولا بمشهد القتل الوحشى، ولا بالمسيحيين فى مصر على وجه العموم، لكن الجميل أن كم التنديد بهذا المشهد كان كبيرًا ليدرء بهذا تلك التهمة البشعة.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن هذا وليد خطاب دينى يشوب بعض متحدثيه التحريض على الآخر بطريق غير مباشر، وهنا يوجد أمران أحدهما يخص تلك الحادثة وما يشابهها من حوادث، والآخر يخص عموم المؤمنين من جميع الأديان، فبالنسبة إلى ما يخص تلك الحادثة، فإن من نشأ وشب على سماع فتاوى تكفير المسيحيين، وعدم جواز تهنئتهم فى أعيادهم سيترسخ بالطبع لديه الاعتقاد شيئًا فشيئًا بأن الآخر كافر، وبالتالى فإن الكنائس التى يصلى فيها هى دور كفر ولا "يذكر فيها اسم الله كثيرًا"، وعليه يجوز تفجيرها أو حرقها.. من هنا يتضح خطورة منهج الآية الواحدة، واقتطاعها من السياق الكلى لمبادئ الأديان.
أما بالنسبة للأمر الآخر فإنه وبوجه عام مازال البعض سواء من المسلمين أو من المسيحيين وهم يقرأون ما بين أيديهم من آيات فى كتبهم المقدسة والتى تتحدث عن الأعداء والشر والضالين وجنود الشيطان وأعوانه يخلعون معنى الآيات على الآخر المؤمن بعقائد أخرى غير عقيدتهم، مع أن تلك الآيات تخص بالأساس الذين كانوا يمنعونهم من اعتناق الدين، ويكيدون لهم، ويوجهون لهم الأذى، وتمتد إلى كل من يحاول إصابتهم بمكروه فى كل مكان وزمان. لكن تلك الآيات عينها ليست موجهة إلى الآخر، شريكهم فى الوطن، وإلا بذلك ستتحول الأديان من أكبر داعٍ إلى التسامح، إلى عوامل مضادة لثقافة التسامح، وقيم قبول الآخر، وهى المليئة فى ذات الوقت بالرحمة، والقيم الإنسانية.
..وللحديث بقية.