البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
فعل حسناً المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فى حفظ الشكاوى المقدمة ضد مسلسل "الطاووس"، وأيضاً فى عدم منع عرض المسلسل سواء قبل إجراء التحقيقات أو بعدها، وهى شكاوى غريبة من نوعها لا تقل غرابة عن قضية المسلسل ذاته! فكيف يُتهم مسلسل الطاووس بأنه ضد قيم الأسرة المصرية فى حين أنه عاد بنا إلى المسلسلات التى تمثل روح الأسرة المصرية بمختلف أطيافها من سكان المدن، والقرى، والأحياء الشعبية، وذلك لمجرد أنه يقدم قضية فتاة تم اغتصابها، وكأن التعرض للجرائم هو أمر منافٍ للقيم، فى حين أنه أمر وارد الحدوث فى كل زمان ومكان، ولا تخلو أية جريدة من صفحة للحوادث والقضايا، فهل تلك الصفحة تعد منافية لقيم الأسرة المصرية!؟

حتى مشاهد اغتصاب الفتاة والتى تمثل ذروة أحداث المسلسل لم تكن مبتذلة أو فجة على الرغم من أنها لم تكن سطحية أو هامشية، بل جعلت المشاهد يشمئز من المغتصبين، ويتعاطف كثيراً مع الضحية المغتصبة، والتى بدت مثل طفلة كبيرة لا حول لها ولا قوة، على المستوى الشخصى لم تستدعِ مشاهد الاغتصاب فى ذاكرتى أية مشاهد مماثلة من أفلام عربية أو أجنبية. لكنها استدعت فقط مشاهد مسلسل "بكار". فمشاهد الاغتصاب كانت بعيدة عن الابتذال على الرغم من صراحتها، وهذا يدل على دقة السيناريو، وعلى تمكن المخرج "رؤوف عبد العزيز" من أدواته الفنية.

وجود الممثل السورى "جمال سليمان" فى دور محامٍ، أضفى على العمل قيمة فنية من نوعٍ خاص، وأعاد إلى الأذهان دور المحامى المصرى النبيل فى الأفلام العربية القديمة ولكن بصورة جديدة وعصرية. فهو يجيد تمثيل أدوار المصريين بعذوبة شديدة، وجميع المسلسلات المصرية التى قام ببطولتها سواء كان طيباً أو شريراً كانت ناجحة ونسبة مشاهدتها عالية فى انعكاس للوحدة الأزلية والحقيقية بين مصر وسوريا. ربما لم تنجح مشروعات الوحدة الكاملة بين الدول العربية فيما مضى لأنها تلغى التمايز النوعى لكل قطر على حدة، ولكن الدراما تستطيع فى ذات الوقت توحيد الشعوب العربية أولاً بوجود نجوم مشتركين، وثانياً والأهم لأنها قادرة على تجميع المشاهدين من المحيط إلى الخليج أمام شاشات التلفاز، لتستطيع الدراما العربية والمصرية على وجه الخصوص، بسلاسة ووضوح اللهجة المصرية لكل العرب وهو سبب من أسباب انتشارها علاوة على قيمتها الفنية، أن تحقق ما يصعب على السياسة القيام به فى الكثير من الأحيان.

الممثلة "سهر الصايغ" أدت دورها بكل رقة ونعومة وبساطة، وكان الدور بمثابة إعادة اكتشاف لقدراتها الفنية، والتى دفعت بمحامى التعويضات الذى يهدف أولاً إلى التربح من القضايا إلى الإيمان بعدالة قضيتها لصدقها وطيبتها، وإلى الرغبة فى إثبات براءتها مهما كانت المتاعب. فالسعادة من وجهة نظر "أرسطو" لن يستطيع الإنسان أن يجدها فى الاهتمام بنفسه فقط، ولكنه سيجدها متى وجه اهتمامه للآخرين.

قدم المسلسل بانوراما للأسرة المصرية على اختلاف أطيافها بين المدينة السكندرية، والقرية، والأحياء الشعبية، قيم المدينة ظهرت فى العلاقة المجتمعية الديناميكية بين المسلمين والمسيحيين والتى تمثلت فى رابطة الجيرة التى تجمع بين المحامى وجارته السيدة "ماتيلدا" والتى جسدت دورها بكل براعة القديرة "سميحة أيوب"، والتى وعلى الرغم من أنها "سيدة المسرح العربى" إلا أنها لم تقع فى براثن التأثر بالأداء المسرحى عند التمثيل للسينما أو للتليفزيون، المسرح بالطبع هو "أبو الفنون" لكن كل فن له سماته. كان يظهر أحياناً فى تمثيل الممثلين قديماً فى بدايات ظهور السينما مدى تأثرهم بالأداء المسرحى أداءاً ولغةً لأن معظمهم كانوا بالأساس من ممثلى المسرح، إذ تفاجئك فى الأفلام العربية القديمة كلمات محورية مثل: "إذاً" أو "فليكن"، لكن هذا الأداء بالطبع تغير مع إنشاء معاهد التمثيل والسينما لاحقاً. لكن "سميحة أيوب" دائماً تستطيع الفصل جيداً بكل وعى، وحرفية فنية بين كل فنٍ على حدة لتصبح بهذا المسلسل "سيدة الدراما التليفزيونية" أيضاً.

أما بالنسبة للحى الشعبى، فلم تظهر فى المسلسل شهامته وهذا ليس عيباً تبعاً للسياق الدرامى. كانت شخصيات مثل "عاطف" زوج الأخت، و"فيجو" خطيب أمنية على قدر كبير من النذالة، والرغبة فى استغلال أمنية، وعدم التفهم للجريمة البشعة التى تعرضت لها، بل ومعايرتها بها.

أما على الجانب الآخر الريفى، فقد كانت شخصية "توفيق" التى أداها بكل جمال الممثل "يوسف الأسدى" إذ ذكرنا بالفعل بمصطلح "أخلاق القرية" مع التحفظ عليه إذ أن القرية فى الكثير من الأحيان تكون مصدراً للشرور، والتدخل فى شئون الآخرين بدون داعٍ، إلا أنه فى ذات الوقت مازالت القرية فى كل آداب العالم تمثل جانباً أخلاقياً يفوق المدينة. لكن توفيق ابن القرية كان أكثر تفهماً لما حدث لأمنية من أبناء المدينة ذاتها. لقد عبر أداؤه عن "نقاء أبناء القرية"، وكيف أن هناك فرقاً بين النقاء والسذاجة، وأعتقد أن يوسف الأسدى سيكون له كممثل مستقبل كبير، لو تم توجيهه منذ البداية من قبل مخرجين متميزين.

شخصية المكان فقط، أو شخصية مدينة الإسكندرية التى دارت بها معظم أحداث المسلسل أكثر من مدينة القاهرة، لم تكن واضحة تمام الوضوح وكانت وكأنها على الهامش. فى مسلسلات مثل "ضمير أبلة حكمت" مازال المشاهد يتذكر إلى الآن صوت الأمواج الهادر فى مشاهد تواجد "فاتن حمامة" بمفردها أو بصحبة "أحمد مظهر" بجوار البحر. فمكان بثراء وقوة شخصية مدينة الإسكندرية لو كان تم استغلاله من قبل المخرج وصناع العمل لأضفى بعداً جديداً على هذا العمل الهام. من ناحية أخرى فإن ديكورات البيوت على اختلاف مستوياتها كانت مُرحبة، ومريحة للعين، وتعكس روح الأسرة المصرية وألفتها لجميع المشاهدين.

أما عن عنوان المسلسل "الطاووس" فقد أشارت الصحفية صديقة أمنية إليه فى حديثها معها بأنه رغبة الرجال فى الإستقواء، واستعراض عضلاتهم على الإناث، أو بمعنى آخر ما يشار إليه بالمجتمع "الذكورى"، إلا أن أحداث المسلسل عكست أكثر من ذلك، وامتدت إلى من يتصورون أن علاقتهم بالنفوذ والسلطة ستضعهم فوق القانون، وبعيداً عن طائلته.

لكن الشباب الذين قاموا بجريمة الاغتصاب عن طريق وضع مادة مخدرة للضحية فيما تشربه، والأنكى أنهم ذكروا فى التحقيقات أنها كانت فى كامل وعيها، وأنهم اتفقوا معها على ذلك.. جريمتهم تعكس نشأتهم فى "مجتمع ذكورى" ينظر للأنثى على أنها "ثانوية" فى الحياة. بالإضافة إلى توجيه "اللوم" إلى ضحية الاغتصاب باستمرار لأسباب عديدة تتعلق بمظهرها أو لتجاوزها الخطوط الحمراء، مع أن لوم الضحية لا يحدث مع أية جرائم أخرى، ففى جرائم السرقة لا نلوم الضحية على سيره فى الطريق العام بمحفظة مليئة بالنقود، ولكن كل اللوم للسارق، وفى جرائم القتل لا يمكن بالطبع توجيه اللوم للقتيل لأنه كان مستفزاً للقاتل، فالجريمة لا تُبرر. أما فى جرائم الاغتصاب فالضحية ملومة متناسين أن جريمة الاغتصاب ليست فقط اعتداء على الشرف، ولكنها اعتداء على الحرية الجنسية للمرأة.

فالحرية الجنسية لا تعنى دائماً انحلالاً، ولكنها بالأكثر عدم إكراه وصون للحريات التى تمتلكها المرأة، وليس الرجل فقط كما تربى هؤلاء الشباب على ذلك. كانت الضحية "أمنية" تتم مساومتها طوال المسلسل على حقها، واقناعها بالتنازل عن القضية حتى قتلوها أملاً فى أن تموت قضيتها. فلوم الضحية الذى يمارسه المجتمع أمرٌ غير لائق فى سياق القضية ذاتها، لأنه يُعلم الشباب الاستهتار بجرائم الاغتصاب على وجه الخصوص، وبالإناث على وجه العموم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز