مريم عيد
ستجد أن ذكريات الطفولة، والمراهقة، والشباب تمر أمامك سريعا كشريط فيلم سينمائى، وفى خلفية ذكرياتك جهاز تلفاز يذيع مسلسلًا عبقريًا لأسامة أنور عكاشة فى الفترة الصباحية أو مع توهج فترة الظهيرة أو مصحوبا بنسمات العصر أو مع هدوء سحر المساء لتجد مسلسلاته شريكا وجدانيا، وفنيا واعيا، وأمينا، وممتعا.
ففى سن المراهقة ربما تابعت أجزاء مسلسل "ليالى الحلمية" وقد انتهت وأصبحت شابا، لتتعرف على واقع مصرى اجتماعى، وتاريخى، وسياسى منذ فترة الملكية وحتى التسعينيات قد سمعت عنه من الآباء، والأمهات، والأقارب لتجده مُجسَدا على شاشات التليفزيون، ولتكتشف بنفسك أن هذا الشجن المصرى الجميل الذى يصاحب المصريين كلما تذكروا أحداث حياتهم، وتلامسوا مع ذكريات ماضيهم ربما يكون أحد مصادره الهامة هو اختلاف وتبدل الزمن.
دراما أسامة أنور عكاشة الغنية بشخوصها المتعددة ألبست الدراما التليفزيونية قالبا أدبيا لينجم عن ذلك جنسا أدبيا جديدا هو "أدب الدراما التليفزيونية" أو "الأدب التليفزيونى"، والجدير بأن يكون موضع اهتمام النقد الأدبى كجنس أدبى جديد يعتمد على القص مثل القصة، والرواية، والمسرحية.
من أهم عناصر دراما أسامة أنور عكاشة الحوار السلس والممتع للشخصيات حتى صارت مسلسلاته من الممكن التعرف عليها عن طريق الحوار، فإذا كان الحوار يحترم عقلك، وأذنك فهو بالتأكيد أحد مسلسلات أسامة أنور عكاشة، والتى تخلو من الحوار المسف أو ذو المستوى المتدني، حتى فى حوار الشخصيات الغير متعلمة أو الأقل تعليما أو الحرفيين أو العمال أو القرويين، تجده أيضا حوارا عذبا فى كل الأحوال، من تكاتف الأقارب، والأصدقاء ضد قوى الفساد فى "أنا وأنت وبابا فى المشمش"، وقرية الحلوانية التى أصبحت رمزا مصغرا لمصر فى "عصفور النار" إلى عشق مدينة الإسكندرية فى "زيزينيا"، و"ضمير أبلة حكمت" التى تعكس إيمان المصريين بأن العملية التعليمية فى مصر متى مورست بكل انضباط، وكفاءة، والتزام فلابد أن تحظى دائما باحترام الجميع.
هناك بدون شك عنصر مصرى طيب ونبيل من المتعلمين أو من غير المتعلمين، كان دائما على هامش الكثير من الأعمال الفنية، والأدبية وربما لا يظهر سوى فى نهاياتها، وكان فى أشد الحاجة لمن يعبر عنه فنيا، فأجاد أسامة أنور عكاشة التعبير عنه ليظهر إلى النور واضعا إياه تحت المجهر الفنى ليجعل منه بطلا لأنه بالتأكيد كان جزءا تفتقده الدراما وسط انشغالها فى غمار أحداث الحياة، لكن أسامة أنور عكاشة لم يفته إلقاء الضوء عليه على الرغم من تنوع الأحداث، وتعدد الشخصيات فى أعماله، إن دراسته لعلمى النفس والاجتماع جعلت قلمه بالتأكيد يحترف رسم الشخوص، لكن الكثيرين ممن درسوا علمى النفس والاجتماع لا يستطيعون بالضرورة كتابة دراما بكل تلك الدقة، فالمسألة تعتمد أيضا على الموهبة الشخصية، والعقلية المتميزة، والكتابة المثقفة.
ستتذكر العملاق "محمود مرسى" ببراعته فى أداء أدوار الخير بنفس البراعة التى يؤدى بها أدوار الشر، وهو يؤدى دور الإنسان النبيل فى زمن تحكمه المصالح المادية فى مسلسل "رحلة السيد أبو العلا البشرى" وأصدقاءه الأعزاء الذين قام بأدوارهم هالة فاخر، ومحمد توفيق، وعلى الحجار، ومحمد العربى، ومحمود الجندى والذين يميلون إلى طابعه الخلقى الذى لا يمكن أن ينقرض، وعندما حدثت المفاجأة وورث السيد أبو العلا البشرى ثروة طائلة تنافس الجميع ليصبحوا مقربين منه، وأصدقاء له بعد أن كانوا يتجاهلونه، والمشاهد التى كان يصارع فيها ضميره عندما توقعه أمانته فى مآزق، فى مشاهد فريدة من نوعها جعلت من الضمير شخصا.
فى مسلسل "الشهد والدموع" ستجد الوحدة الوطنية فى إحدى صورها الرائعة فى الحى الشعبى، حيث كان لأسامة أنور عكاشة السبق فى تقديم الوحدة الوطنية بدون افتعال أو مبالغة كان أسامة أنور عكاشة فى أحاديثه الصحفية والإعلامية يذكر "أم رمسيس" الجارة المسيحية التى تأثر بها، وبعلاقات المودة مع أسرتها، وكيف أنه نقلها إلى أعماله... فإذا كان رجال الدين من كافة الأديان يهتمون بنشر السلام والتسامح بين الناس، فقد باراهم أسامة أنور عكاشة فى ذلك وتفوق عليهم بتقديمه لصورة حية، ونماذج مُعاشة.. بل إنه فعل مالم يقدر على فعله بعض رجال الدين، والذين يزعمون أنهم يتحدثون باسمه فى حين أنهم يبذرون بذار الفرقة بين العنصرين الكريمين.
لم تكن شخصياته قالبا نمطيا متكررا، فالتاجر الأصيل "الحاج رضوان" فى "الشهد والدموع" على سبيل المثال، يختلف عن "فضة المعداوى" فى "الراية البيضاء" والتى استدعت تشابك جميع الأيدى فى مشهد النهاية ضد البلدوزر الذى سيقوم بعملية هدم فيلا السفير "مفيد أبو الغار" وكأنه اتحاد الأصالة والرقى ضد كل ما هو غث.
كما أن إيمان أسامة أنور عكاشة بالتجربة الناصرية لم يمنعه من تقديم بعض سلبياتها، لكنه فى ذات الوقت لم يقع فى فخ إظهارها متسمة بالتناقض كبعض الكتاب.. الأجيال التى لم تعش الفترة الناصرية، ولكنها سمعت عنها من المقربين أو قرأت عنها ولم تشاهد ما يعبر عنها فنيا سوى بصورة مجحفة أو منقوصة أو مفتعلة لتجد ذلك متناقضا مع كثرة مريديها وإحاطتهم لزعيمها بهالة من التوقير، والاحترام، والحب الأبوى، فوجدت فى مسلسلات أسامة أنور عكاشة تجسيدا فنيا صادقا لما تلمسه بنفسها، فاستمتعوا بذلك مع من عاصروا تلك الفترة بالفعل.
لقد أجاد المؤلف أسامة أنور عكاشة التعبير عن الوعى الجمعى للمصريين، لذلك أحس الكثيرون عندما سمعوا بنبأ وفاته فى 28 مايو 2010 بغصة فنية ووطنية، وبشرخ فى جدار الوعى الجمعى المصرى، لكنه كان قد خلع من روحه على فريق عمله الأثير فردوس عبد الحميد، ومحمد فاضل، وإسماعيل عبد الحافظ، وسيد حجاب، وعلى الحجار ليترك سيمفونيات درامية مصرية، وتراثا تلفزيونيا ينبض بالحياة.. فهل يمكن أن تتكرر موهبته مرة أخرى؟ سيرن فى أذنك صوت تتر النهاية لمسلسل "رحلة السيد أبو العلا البشرى" بصوت على الحجار: "لو مش هتحلم معايا، مضطر أحلم لوحدى...".