مريم عيد
عندما كبرت قليلاً وأصبحت فى المرحلة الإعدادية، وعندما كانت تعجبها إحدى الأغنيات، أو خفة ظل إحدى الممثلات قالت ذات مرة: "عسل" فإذ بوالدتها تنبهها فى استغراب: "ما هذا؟ قولى جميلة، كويسة، دمها خفيف، لكن عسل دى كلام شوارع" تنبهت الصغيرة إلى صحة منطق الأم وأن بعض الصبية المتسكعين فى الشوارع ربما يرددون تلك الكلمات عندما يعاكسون الفتيات، لكن تلك الكلمة قد مرت إليها هذه المرة من بعض الفتيات زميلاتها فى المدرسة كن قد أتين من الريف، لكن الكثير من الريفيات مهذبات ولا يستخدمن تلك الكلمة، بعضهن فقط، تستخدمها أيضاً بعض بنات المدينة لوصف من يحبون من الصبية أو الشباب، أو من يهوون من النجوم.
حمداً لله أنها توفت قبل أن يزداد الطين بلة، وتكتمل القائمة وتظهر كلمات مثل "كبر، ونفض، وقشطة" كان آخر ما تذكره من قاموس ممنوعات والدتها هو كلمة "يا باشا"، كانت كلمة "باشا" فيما مضى لقباً يتم منحه من قبل جلالة الملك، لكن من أجل تحقيق مزيد من المساواة تم إلغاء الألقاب، لكن هذا لا ينفى أصولها التاريخية، لكنه من الغريب أنه مع إلغاء الألقاب ازداد انتشارها واتسع بصورة غير مسبوقة، ربما يحمل هذا بين طياته تقديراً للألقاب واحتراماً لمدلولاتها، ولأصحابها.
متى حللت فى أى مكان لابد أن تسمع كلمة "يا باشا" تستخدم إما على سبيل التوقير أو على سبيل التملق، لم تكن تتوقع ما تخبئه لها الأقدار، وبأنها سوف ترتبط بأحد باشوات هذا الزمان، والذى كان قريباً لإحدى الجارات، لم يكن من بين أمنياتها أن تتزوج ضابطاً مثل الكثير من الفتيات، لكن عندما تقابلا للمرة الأولى راق لها حديثه، وحسن هندامه.
كثيراً ما تسمع من المعارف والجيران وبعض الأقرباء عبارة: "إزى الباشا؟"، عندما جلب لها أحد العساكر بعض الطلبات ذات مرة، لم يفته بالطبع إهداء السلام للباشا، مازال إرث والدتها من الممنوعات اللفظية يتحكم فى مزاجها، كلمة "الباشا" ربما لا تروق لها أبداً، تفضل عليها "الكابتن" أو "سيادة الرائد" لكن لا بأس فلقد جرى العرف اللغوى لدى البعض على ذلك.
أزعجها أن تستخدم الفنانة الشهيرة لفظ "يا باشا" وهى تخاطب زوجها فى إحدى المسلسلات، كيف ذلك! ينبغى على الإعلام أن يكون قدوة للجماهير، لا تتذكر أنها نادت زوجها "يا باشا" سوى مرة واحدة فقط على سبيل الدعابة وهى تبتسم، لكنها أحست أنها غير صادقة مع نفسها، فلم تكررها ثانيةً.
شغل وقتها فى الفترة الأخيرة ضم البنك برامج "المشروعات الصغيرة" ضمن أنشطته المتعددة، أُسند إليها فى فترة وجيزة أن تكون مديرة لقطاع المنشآت الصغيرة التى تتنوع وتتباين حجم أنشطتها، وبعد فترة من المقابلات الشخصية تم الاستقرار على اختيار فريق العمل الذى سترأسه والمنوط به التعامل مع هذا القطاع الذى بدأت الدولة توليه اهتماماً خاصاً فى السنوات الأخيرة، وما أن انتهت فترة التدريب حتى بدأوا فى أداء أعمالهم، والتى كان بعضها مكتبى، وبعضها الآخر ميدانى لمتابعة العملاء فى مقار أنشطتهم.
البنك يموج بحركة العملاء المنظمة، عملاء يجلسون فى انتظار دورهم، البعض يجتاز بوابة الدخول الإلكترونية التى تصدر تنبيهات بين الحين والآخر، والبعض الآخر يهم بالفعل بالخروج من البنك، موظف البوفيه يضع على مكتبها فنجان قهوة، وكوباً من الماء وهو يقول: "اتفضلى يا باشا" أصبح لقباً مؤنثاً، تحدى قواعد اللغة وتم اعتماده للجنسين.
على أرضية البنك النظيفة اللامعة خطى الزوجان خطواتهما بأشباه أحذية تحمل آثار السنوات المتعددة، والفصول المتنوعة، وملابس غير واضحة الملامح، لكنها مقبولة، يميل معظمها إلى الدرجات فاتحة الألوان والرمادية، فبدوا بين عملاء البنك كأنهما خارج سياق المكان والزمان، وقد هبطا للتو من كوكب آخر من النوع المألوف، كانت المرأة تجرجر ابنها الذى ربما تجاوز الرابعة بقليل وكانت ملابسه تميل إلى الألوان الترابية بينما شعر رأسه حالك السواد ويرتدى صندلاً ذا سيور، لكنهما كانا يتقدمان بخطى ثابتة حثيثة وكأنهما يبحثان باهتمام عن شيء ما فُقد منهما، أرشدهما موظف الأمن إلى مكان جلوسهما فى الركن البعيد، إلى حين حضور الموظف المسؤول لمقابلتهما، جلسا على مقربةٍ منها بعد أن رفع الرجل يده لتحيتها، وابتسمت السيدة فأومأت برأسها لتبادلهما التحية، كان الولد كثير الحركة، حاول مراراً وتكراراً أن يقترب من مكتبها، لكن أمه ألزمته أن يجلس بجانبها.
بعد بضع دقائق أتى "على"، وهو من أكفأ الموظفين فى هذا النشاط الجديد، حياهما ووجه كلامه للرجل: "أهلاً يا باشا"، كانت هذه هى المرة الأولى التى تسعدها كلمة "يا باشا"، وتحظى بإعجابها، فما أجمل وقعها على النفوس فى تلك اللحظة! ربما من المرجو أن يكون هو الباشا، ومحور اهتمام الجميع، لكنه ابتعد عن دائرة الضوء، وفى غمرة الاهتمام أصبح فى طى النسيان، حتى الباشوات المتعارف عليهم الذين يحملون أرواحهم على أكفهم فى كل لحظة، ويعرضون حياتهم للخطر فإنما يفعلون ذلك من أجل بنى وطنهم، ومن أجل هذا الباشا المواطن الذى اختفى فى القرى والنجوع والمناطق النائية، لكن حمداً لله أنه قد أعيد اكتشافه مرة أخرى فى هذا الزمان لتكون هناك مشاريع خصيصاً من أجله، تمنت من كل قلبها أن تكرم على لو كان هناك جوائز فورية لأفضل الكلمات بعد أن أثلجت صدرها ونالت تقديرها.
الرجل: زى ما حضرتك عارف يابيه، وشوفتوا بنفسكم عندنا شوية فراخ هى بتربيهم (مشيراً إلى زوجته)، وعايزين كام ألف علشان نكبر المشروع.
الموظف: تحبوا المدة تكون أد إيه؟ أكيد استلمتم نسخة مطبوعة من جداول الأقساط فى البلد (ثم التقط من على مكتبه جهاز الموبايل الخاص به حيث توجد نسخة مدونة عليه، فأعاد تذكيرهم بها).
الرجل: على سنة ونصف، 18 شهر كويسين، والقرشين اللى بنكسبهم على معاش تكافل وكرامة الجديد هنسدد الأقساط فى مواعيدها إن شاء الله.
ثم بدأ على فى ملء بيانات استمارة الإقراض حسب اختياراتهما، واتفقا أن يكون القرض باسم الزوج على أن تكون الزوجة ضامناً، وبعد أن عرفا الموعد المحدد لاستلام النقود، وطريقة سداد الأقساط هما بالانصراف بصحبة صغيرهما مستبشرين بغدٍ من الممكن أن يكون أفضل.