مريم عيد
مازالت أجسامهم صغيرة، والبعض منهم قد نما جسمه بعض الشىء أكبر من سنه، لكن عندما تتحدث معهم تدرك أنك تتحدث مع الكبار وليس الصغار، عيونهم لامعة، حبات عيونهم داكنة ومتألقة، بعضهم شعره مجعد، والقليل شعره مسترسل، لكن أغلبهم شعره ناعم ومموج، الكثيرون قمحيو اللون، قليلون بيض أو سود.
كانوا كالفراشات الزاهية الألوان فى الحفلات المدرسية، تدربوا كثيراً فى الإجازة الصيفية قبل بدء الدراسة على أداء كلمات الأغنية، وعندما اقترب موعد الحفل كثفوا البروفات النهائية، ولما حان الموعد المحدد كانت قلوبهم الصغيرة تدق خلف الكواليس البريئة لأنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الظهور على خشبة المسرح، وبعد أن أخذوا إشارة البدء غنوا للوطن وللأم أمام الضيوف من المحافظة، والزائرين.
فى العام التالى تدربوا على أداء رقصة جماعية ستحلق بهم إلى عنان السماء مثل الطيور، زادت تدريباتهم حتى تأتى حركاتهم فى آنٍ واحد منظمة، ومتناسقة، ومتماشية مع نغمات الموسيقى... صاروا أكثر نشاطاً، وأكثر اهتماماً بالتفاصيل الصغيرة. رُشحت رقصتهم للأداء فى الاحتفالات العامة، وحصدوا العديد من الجوائز.
فى طريقهم إلى الطابق الأعلى لإبدال ثيابهم مروا بالردهة الزجاجية التى تصل بين مبنيين للمدرسة، ورأوا سوق المدينة من بعيد وهو يبدو رمادياً أحياناً، ويحمل أسراراً، وفى أحيانٍ أخرى يبدو مشرقا،ً وزاهيا،ً ويبوح متلألئاً بالنهار وبالليل، يُقال لهم أن الحياة تدور فى تلك السوق... ليس لهم علاقة بالبيع والشراء سوى مع "الكانتين" الذى يجلب بضاعته من هذا السوق، أما علاقتهم بسوق المدينة فلازالت عابرة، فقط عندما يذهبون مع آبائهم لشراء ملابس جديدة.
مرت سنوات عديدة أتموا فيها تعليمهم، لكن لم تمر بحياتهم فترات تعلم أكثر بهجة وإمتاعاً من فترة الطفولة... سوق المدينة يسع الحياة بأسرها، صديق لكل عائلة وجزء لا يمكن الاستغناء عنه من حياة البشر. بالطبع هناك أشياء لا يمكن أن تشترى وتباع فى الأسواق، لكنه فى كل الأحوال ميدان هام من ميادين الحياة.
كبر السوق ونما وامتد فى السنوات اللاحقة، وتم إيصال كافة الشوارع والميادين به حتى مدافن الموتى أصبحت على امتداد أطراف السوق، وفى نهايتها وعلى مرمى البصر أبا الهول، والأهرامات.
أصبح السوق إلكترونياً، وظهرت تلك الماكينة العجيبة... بضع نقرات إلكترونية، وتأتيك النقود أينما كنت، أو يمكنك الشراء مباشرة من أى متجر... بضائع متنوعة لا حصر لها، أشكال وألوان، لا يمكن عدها أو حصرها أو تقسيمها تبعاً لسن أو لون أو جنس أو دين، فلولا اختلاف الأذواق لبارت السلع. التجار يسمحون باختلاف الأذواق، لكن اختلاف الآراء ممنوع فى السوق بدون وجود "وصى". على مواقع التسوق يمكنك شراء كافة السلع، لكن لا تسامح مع الرأى المختلف.
لك مطلق الحرية فى شراء أية سلعة لكن احذر من التعبير عن أفكارك فإذا عبرت عنها، فلابد أن يظهر أوصياء. أصبح الوصى مثل العفريت الذى لابد من ظهوره، وصار هناك وصى لكل مواطن، بل زمرة من الأوصياء.
يعاودهم الحنين إلى رقصتهم الأولى، والأخيرة التى أبهروا العالم بها وهم بعد أطفال. فى ذلك الزمان لم يكن هناك أوصياء فى المدينة.
يقال إن وظيفة الوصى أصبحت مطلوبة فى أبواب الوظائف الخالية الخلفية، ولا تشترط أية مؤهلات، لكن البعض هواة لا يعتبرونها عملاً يدر دخلاً، لكنهم يعشقون الوصاية. البعض الآخر وصى بالوراثة، تجرى الوصاية على الآخرين فى دمه أباً عن جد.
عندما كانوا يذهبون إلى مشفى المدينة لتلقى العلاج اللازم أثناء أزمات صحية عابرة، أعيد قياس ذكائهم، وتم تسجيل انخفاضه كثيراً لجميعهم عن سنى طفولتهم نظراً لكثرة "الأوصياء" فى حياتهم، ولعدم توفر "الحرية" اللازمة لنمو الذكاء.