البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
عواصم شهيرة بين القاهرة، وكازابلانكا، ونيروبى، وجوهانسبرج، أرض إفريقيا السمراء تقطعها أنهار شديدة الطول، وقمم جبال شاهقة الارتفاع لا تبالى بوحوش القارة المفترسة، المناخ يتنوع على امتداد القارة بين الاستوائى، والمدارى، والبحر متوسطى. 

من الآثار الفرعونية فى مصر، والسلاسل الجبلية فى الجزائر، والمنحدرات الجليدية فى المغرب، والطبيعة الخلابة فى كينيا حتى شواطئ "كيب تاون" الساحرة فى جنوب القارة إذ يحتفل رجل أسمر بيوم ميلاده السبعين، واحتفل معه العالم، ثم احتفل مرة أخرى بيوم ميلاده التسعين بعد أن كان قد غير وجه الزمان، فأصبح يوم مولده هو "اليوم العالمى لنيلسون مانديلا" كما اعتمدته الأمم المتحدة.

احتفل الزعيم الإفريقى "نيلسون مانديلا" بعيد ميلاده التسعين بعد أن انتهت مدة ولايته كأول رئيس من السود لجنوب إفريقيا، وإذا عاد الزمان إلى الوراء عشرين عاما أخرى، سيشهد احتفاله بعيد ميلاده فى السجن فى زنزانة رطبة صغيرة كانت سببا فى إصابته بمرض السل إذ كان يقضى فترة عقوبة بالسجن مدى الحياة بعد أن خففت عقوبة الإعدام فى 12 يونيو 1964، وأقيمت هذه المرة احتفالية ضخمة باستاد ويمبلدون بلندن تمت إذاعتها عبر التلفاز، وقد قدر عدد المشاهدين بـ 200 مليون.

سكان القارة بشر محبون للحياة، ومفعمون بالحيوية، رقصاتهم، وإيقاعاتهم الموسيقية كانت إلهاما لرقصات التانجو، والرومبا، والسامبا الغربية، وأساسا لموسيقى "الجاز" الحديثة التى أثرت بدورها فى موسيقات القرن العشرين، لكن فى نصف الكرة الشمالى وفى الولايات المتحدة الأمريكية عندما رأت الرأسمالية الحقول مزدانة بمحصول القطن وقررت أن تؤسس امبراطوريتها عليه، فجلب تاجر العبيد سكان القارة من أجل جمع القطن بعد أن اصطادهم بالشباك من هناك، وبنت الرأسمالية الإمبريالية أحلامها على السود، لكن ماذا عن أحلام السود أنفسهم!؟

فأتى "مانديلا" مُعبرا عن أحلام هؤلاء السود، وحقهم فى الحياة الكريمة، والمواطنة، والمساواة، والانتخاب، وعدم التمييز بينهم وبين البيض أو بين "الأفريكان" أى السود من أصول أوروبية، لينهى مانديلا بذلك سياسة التمييز العنصرى، لتبدأ صفحة جديدة من حياة أمة توصف عرقيا وثقافيا بـ "قوس قزح"، وليبدأ عقب التحقيقات فى جرائم الماضى بإطلاق لجنة الحقيقة والمصالحة فى 1996 بالمصالحة الوطنية، فعلى حد تعبيره: "الشجعان لا يخشون من أن يصفحوا عن الآخرين من أجل تحقيق السلام" فى أعقاب أول انتخابات ديمقراطية تشهدها جنوب إفريقيا ليصبح مانديلا أول رئيس من السود لمدة خمس سنوات من 1994 إلى 1999 اتسمت بالدبلوماسية، والمصالحة، والإرتكان إلى حقوق الإنسان، والعديد من اللقاءات مع القادة، والمشاهير، والذى كان يحرص على لقائهم أيضاً قبل وصوله إلى سدة الرئاسة لكسب التأييد العالمى ضد سياسة الفصل العنصرى.

فإن كان كفاح مانديلا يتشابه مع الكفاح الهندى فى المناداة بالحرية، والعدالة، والمساواة، وحركة عدم الانحياز التى أصبح مانديلا سكرتيرا عاما لها فى 1998، فإن "سجن فورت" الذى سجن به مانديلا، قد سجن به أيضا المهاتما "غاندى" فى 1908 عندما كان يعمل محاميا فى جنوب إفريقيا لمدة 21 عاما من 1893 إلى 1914.

قصة مانديلا ليست فقط قصة كفاح زعيم ثورى، ولكنه إلى جانب كونه رمزًا إنسانيا على وجه العموم، فهو رمزا إفريقيا يلفت الأنظار إلى مدى أهمية القارة السمراء التى تشبه المارد والذى طالما كنت صديقا له، ظل رفيقا مخلصا لك، لكن إذا ابتعدت عنه وأهملته سينقلب السحر على الساحر، ليتحول إلى مارد متمرد.

فإلى جانب أهمية شخصية مانديلا كرمز وطنى وإنسانى فهناك تماس وتأثير متبادل بين مغزى ما ترمز إليه، وبين واقع السياسة المصرية يمتد إلى 3 محاور أساسية:

المحور الأول وهو تحول مانديلا إلى رمز للعدالة، والحرية، والمساواة بعد أن كان حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى يُصنف من قِبل قادة العالم فى هذا الوقت كالرئيس الأمريكى "رونالد ريجان"، ورئيسة الوزراء البريطانية "مارجريت تاتشر" على أنه "منظمة إرهابية" يتشابه هذا مع التغير الذى حدث فى تفهم العالم وقادته لحقيقة ما حدث فى يونيو، ويوليو 2013 نتيجة لمجهودات وزارة الخارجية المصرية المشكورة، وبأن ذلك ليس مجرد انقلاب عسكرى نابع من إرادة بعض أفراد من الجيش، ولكنه "انقلاب وطنى" بالأساس، والجيش كان ينفذ ما أملته عليه "الإرادة الشعبية"، مع مزيد من الأمل فى أن يتفهم عدد أكبر من بعض عقلاء العالم فى السنوات المقبلة، الذين غررت بهم الدعاية المضادة، طبيعة ما حدث فى مصر منذ عدة سنوات.

المحور الثانى هو "عودة الاهتمام بالشأن الإفريقى" مرة أخرى بعد سنوات طويلة من الإهمال، وتناسى البعد الإفريقى الهام، وعدم دعم إخوتنا فى القارة السوداء، وبعد أن كانت مصر تساند حركات التحرر الوطنى فى الخمسينيات، والستينيات حدث أن تجاهلناهم لعدة عقود، وعلى الرغم من اعتدال سياستنا الخارجية إلا أنها أغفلت هذا الجانب الإقليمى الهام، وظهرت أعراض ذلك فى محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا، والتى وإن كانت تنطوى على سوء نية من جهة نظام "البشير" إلا أنها أحد نتائج إهمال الجار الإفريقى فى دول حوض النيل على وجه الخصوص، وكل الدول الإفريقية على وجه العموم، بالإضافة إلى الموقف الإثيوبى المتعنت فى أزمة "سد النهضة" والذى فى باطنه تخوف كامن من مصر، ويعبر على المستوى المجازى عن سد منيع يحول دون النهضة الإفريقية بتخلى مصر عن دورها الإفريقى لتقوم دول أخرى مثل الصين، وإسرائيل بأدوار مانديلا، وجمال عبد الناصر فى حياة الأفارقة بديلا عن الدور المصرى الفعلى، والتاريخى.

أما عن المحور الثالث الهام فعلى الرغم من تخلص إفريقيا من الاستعمار، وحصولها على الاستقلال، فمن الغريب واللافت للنظر أنها مرت بأزمات اقتصادية كبيرة على عكس المتوقع، فالإحصائيات الحالية تقول بأن الأفارقة يمتلكون أجهزة محمول أكثر من امتلاكهم للكهرباء، والمياه النظيفة، فالقارة بمواردها الطبيعية والبشرية تحتاج إلى إدارة مواردها، وإدارة صراعاتها.

إن النهضة القائمة على التوسع فى مشروعات الكهرباء، وسد الفجوة فى البنية التحتية بين الريف والحضر، وهو ما تسير مصر نحوه بنجاح متمثلا فى مبادرة "حياة كريمة" سيعمل على المدى البعيد على تنظيم وإثراء التكافل بين الدول الإفريقية من أجل أداء أدوار إفريقية أكبر على مستوى العالم، وإتاحة الفرصة لظهور "نمور إفريقية" على غرار "النمور الآسيوية" لكنها لو نجحت فى الظهور ستكون أكثر عددا، وأطول عمرا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز