مريم عيد
مسرحيات غنائية بالإنجليزية أو بالفرنسية تعتمد على الرقصات لتصوير حياة نيلسون مانديلا الذى على الرغم من خلفيته الراقية، وأصوله الارستقراطية استطاع أن يعبر عن مصالح شعبه بكل أمانة، وكان الأكثر كفاءة، وقدرة، وصبرًا فى تحمل أعباء ذلك.
هذا الاهتمام بنيلسون مانديلا ليس وليد العقود الأخيرة أو عقب توليه رئاسة بلاده، وبعد أن أصبح أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا، ولكن مانديلا كان مثار اهتمام الكثيرين حتى فى سنوات سجنه.
المفكر والفيلسوف الفرنسى الشهير "جاك دريدا" الذى ينتمى إلى أصول جزائرية، ورائد "المدرسة التفكيكية" فى علم اللغويات، وفلسفات ما بعد البنيوية، وما بعد الحداثة كتب عنه "إعجاب بنيلسون مانديلا أو قوانين التفكير"، والكتاب يحتوى على مجموعة من القصص، والمقالات، والأشعار عن نيلسون مانديلا بالإضافة إلى تحليل لطريقة تفكير مانديلا مستقاة من أقواله وخطبه وخصوصًا فى دفاعه عن نفسه أثناء محاكماته، وقد ضم هذا الكتاب ما كتبه عنه قبل ذلك فى "لأجل نيلسون مانديلا" والذى اشترك فى تحريره معه الروائى التونسى مصطفى التليلى وضم ما كتبه عنه الكثيرين مثل صمويل بيكيت، وسوزان سونتاج، وجون ايرفينج.
كان دريدا قد زار بنفسه الزنزانة التى قضى بها نيلسون مانديلا 18 عاماً فى "جزيرة روبن" بجنوب إفريقيا والتى لا يوجد بها مياه أو صرف صحى.
من أكثر الكتاب تأثيراً، وتأثراً بنيلسون مانديلا "نادين جورديمير" الكاتبة الجنوب إفريقية البيضاء والتى حصلت على جائزة نوبل فى 1991، وسبق لها أن حصلت على جائزة بوكر فى الأدب فى 1974، ورواياتها تتسم بأنها سياسية وتاريخية، وتعد من أشهر الكاتبات اللاتى نددن بالنظام العنصرى، ومساوئه حيث أنها نشأت، وترعرعت فى ظلاله، وعاينت بنفسها قسوته، وعدم إنسانيته، وقد قامت السلطات الجنوب إفريقية أثناء فترة تبنيها للسياسة العنصرية بمصادرة بعض رواياتها لعدة سنوات، والبعض الآخر لعدة أشهر.
من أشهر رواياته "لعبة الطبيعة" فى 1987 والتى تنبأت فيها بنهاية النظام العنصرى، وبأن أحد قادة التحرر سيكون أول رئيس لجنوب إفريقيا من السود، ورواية "ابنة بيرجر" 1979 التى تبدأ أحداثها فى عام 1974 فى جوهانسبرج، وتحكى قصة "روزا" التى توفى والدها "ليونيل بيرجر" فى السجن لاتهامه بمساعدة ودعم السود، وكانت والدة روزا "كاثى" قد توفت عندما كانت روزا فى الرابعة عشرة من عمرها.
تسافر روزا إلى لندن، وتلتقى هناك بصديق طفولتها الأسود الذى يذكرها بواقع جنوب إفريقيا وبعض جوانبه المنسية، فتؤجل مشروعات ارتباطها وانتقالها إلى الحياة فى باريس، ويتغلب اهتمامها بالشأن العام على اهتمامها بحياتها الخاصة، فتقرر العودة إلى جنوب إفريقيا، وفى عام 1977 يتم اعتقالها بتهمة التورط فى دعم ثورة الطلبة أثناء انتفاضة "سويتو".
من أكثر الأفلام السينمائية التى تقترب كثيرًا من إنسانية مانديلا والموحية برسالته وتأثيره وتفكيره فيلم انفيكتوس "Invictus" من إنتاج عام 2009 بطولة "مورجان فريمان" الذى قدم بدور مانديلا، و"مات ديمون".
الفيلم يلقى بالضوء على الفترة التى أصبح فيها مانديلا رئيسًا لجنوب إفريقيا، وكيف استخدم مانديلا الفريق الوطنى للعبة الرجبى، خلال كأس العالم الذى تستضيفه جنوب إفريقيا، لمناهضة نظام التمييز العنصرى فى بلاده.
عنوان الفيلم "Invictus" هو كلمة لاتينية معناها لا يهزم أو لايقهر، وهو أيضاً عنوان قصيدة تمت الإشارة إليها فى الفيلم للشاعر البريطانى "وليام إرنست هينلى" والذى كتبها عندما كان يستعد لبتر قدميه من تأثير مضاعفات مرض الدرن .. يستدعى مانديلا مدرب فريق لعبة الرجبى فرانسوا بينار أو مات ديمون إلى مكتبه، ويحدثه عن وجهة نظره فى أهمية النصر فى توحيد الأمة، وأثناء ذلك يشارك مع المدرب أبيات من قصيدة انفيكتوس والتى كان مانديلا يعلقها على جدران سجنه لتكون نصب عينيه لتمنحه شعوراً بالثقة، وخصوصًا البيتين الأخيرين:
لا يهمنى أن الباب ضيق
لا يقلقنى أن الأحكام زاخرة بالعقاب
أنا سيد قدرى
أنا قائد روحى
ويتحقق بالفعل النصر لجنوب إفريقيا، وبينما يغادر مانديلا والذى كان وجوده فى هذا اليوم مؤثرًا، كان يشاهد من داخل سيارته الشوارع المزدحمة بالسود والبيض، وهما يحتفلان معًا بالانتصار يردد أبيات من قصيدة انفيكتوس.
فى المقالين السابقين كان التركيز أكبر على الجانب السياسى من حياة مانديلا، أما فى هذا المقال فالتركيز أكبر على الجانب الإنسانى لأنه يعطى أملاً فى الحياة لكل بائس أو مظلوم، فمهما تعرضت للظلم فأنت على الأقل تعيش حرًا طليقًا، ولم تطوك غياهب السجون ثلاثين عامًا مثل مانديلا.
لكن ماديبا كان دائمًا متفائلًا، ولم يحول طاقة الغضب بداخله إلى عنف تجاه المجتمع بل على العكس كانت إرادته قوية فتسامح معه ووجه العنف بداخله إلى تحقيق السلم بين أفراد المجتمع، وإلى محاربة العنف ذاته.. أرجوك انتصر على انكسارك وانهزامك الداخليين ليتحولا إلى طاقة إيجابية يمكنك أن تحقق من خلالها الكثير.