البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
ما يمر به العالم الآن من أحداث متلاحقة، وتداعيات الموقف المشتعل فى أفغانستان يستدعى إلى الذاكرة رواية "عداء الطائرة الورقية" أو "The Kite Runner" فى عام 2003 للكاتب الأمريكى من أصل أفغانى "خالد حسينى".

تحكى الرواية قصة "أمير" ابن رجل الأعمال الثرى حيث تقطن الأسرة بحى وزير أكبر خان فى كابول قبل هجرتها إلى أمريكا، وصديقه حسان ابن خادم والده الذى ينتمى إلى إحدى الأقليات العرقية المنبوذة.

يشترك الصبيان فى مسابقة محلية للطائرات الورقية، والتى ستكون فيما بعد رمزًا لذكريات أمير فى أفغانستان عندما يهاجر إلى أمريكا، وللحرية التى يتطلع إليها.

فى خلفية أحداث الرواية نرى لمحة من تاريخ أفغانستان منذ سقوط النظام الملكى، والتدخل السوفيتى، وصعود نظام طالبان، ونزوح العديد إلى باكستان، وهجرة البعض من الموسرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومنهم أمير وأسرته.

فى بعض الأحيان يكون الواقع أشد ألما من الخيال فالطائرة الورقية فى رواية حسينى تتحول إلى طائرة حقيقية فى مشهد طالعتنا به نشرات الأخبار مؤخرًا، يتعلق البعض بجناحيها المسافرين للخروج من أفغانستان.

تلى ذلك أحداث انفجارى مطار كابول، وأعداد القتلى، والجرحى المتزايدة، فر المواطنون الأفغان من مصير ملبد بالغيوم لا يعلمون عنه شيئًا، لكنه بالتأكيد لن يكون لصالحهم أو لصالح بلادهم، أصبحت الطائرة بخلاف رواية حسينى رمزاً للهروب من أفغانستان، والتعلق بالأمل الأخير قبل أن يعم القمع، والفوضى ويأكلان الأخضر، واليابس.

ففى ظلال أنظمة رجعية تريد العودة بوطن فى القرن الحادى والعشرين مئات السنين إلى الوراء، وغياب الحريات، وتجاهل الديمقراطية، واضطهاد الأقليات الإثنية، والعرقية، والدينية تحول الوطن إلى "وكر كبير"، فإذا تخوف المواطنون من الحياة فيه، لم يعد بعد وطنًا. 

استيقظ الأفغانيون ذات يوم وأحلامهم بعد خروج الاحتلال الأمريكى بالاستقلال، والاستقرار، والتقدم، والرفاهية قد تحطمت على صخرة طالبان التى آل إليها بالطبع معظم المعدات العسكرية الأمريكية الحديثة، معنى ذلك أن طالبان ستعود بهم سنوات إلى الوراء، لماذا كل الدول تتقدم، وتحدث أنظمتها، وتأمن مواطنيها أما هم فمقدر لهم دائماً أن يعودوا إلى الوراء!

تحاول طالبان أن تتعهد بأنها ستحرص على تعليم الفتيات، وكأنها ستتفضل عليهن بالتعليم! كما تحاول طالبان أيضاً أن تزعم أنها لن تسمح بأن تكون أفغانستان بؤرة للإرهابيين، فكيف يكون ذلك وهى وإن كانت على خلاف مع "داعش" حتى الآن، إلا أن أقرب أصدقاء طالبان هو "تنظيم القاعدة" .. وكيف يمكننا أن ننسى أن الرعيل الأول من الإرهابيين الذين ارتكبوا جرائم دموية فى مصر فى السبعينيات، والثمانينيات قد تلقوا تدريباتهم فى أفغانستان، وقبل أن تصل طالبان إلى سدة الحكم، فماذا يكون بعد أن وصلت إليه!! وفى رد فورى على مزاعم طالبان بدأ عهدها بانفجار، تلاه انفجار آخر كبير، لقد تحولت أفغانستان بدون شك إلى بؤرة للإرهاب الذى سيهدد العالم كله، وسيهدد الشرق قبل الغرب.

من ناحية أخرى، فإن مبدأ التدخل العسكرى مرفوض لأنه يتعارض مع سيادة أية دولة، لكن أمريكا تعتنقه بالفعل، ويزداد تضخمه بما يخدم بالطبع المصالح الأمريكية، فأمريكا لا ترى نفسها "الشيطان الأكبر" كما تصفها إيران؛ ولكنها ترى نفسها، فيما يخص تدخلها فى الشأن الدولى، "جودزيلا" ذلك الوحش الخرافى.

فهى بإمكانياتها العسكرية، والاقتصادية الضخمة يمكنها أن تخيف الآخرين، لكنها فى ذات الوقت تحاول من منظورها الخاص أن تتخلص ممن يهدد أمنها، ويهدد الآخرين.

إن شعور أمريكا بأنها "شرطى العالم" لم يولد فقط فى أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتى كما هو معروف، ولكنه مبدأ "باكس أمريكانا" Pax Americana أو السلام الأمريكى، والمقصود به السلام العالمى ظهر فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث أخذت أمريكا على عاتقها تحقيق السلام فى العالم، ولو تطلب الأمر التدخل العسكرى.

ذكرت فى مقال سابق بعنوان "متى يحال ملف المنطقة العربية إلى محكمة لاهاى؟" أن التدخل العسكرى فى العراق أمر مرفوض تماماً، ولم يكن له ما يبرره على الإطلاق.

لكن قد يبدو التدخل الأمريكى فى أفغانستان مبررًا بعض الشىء لأنه كان فى أعقاب هجمات 11 سبتمبر، وللبحث عن أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذى أعلن مسؤوليته عن الحادث، لكن فى ذات الوقت كان من الممكن توجيه ضربات سريعة متلاحقة إلى مقرات، ومخابئ تنظيم القاعدة مع وعورة التضاريس، لكن الوجود الأمريكى استمر طويلاً ولمدة 20 عاماً، ثم عادت النهاية مرة أخرى إلى نقطة البداية بوصول طالبان إلى كابول.

أما طريقة الخروج من أفغانستان فهى غير صحيحة، وغير آمنة، وستقلل بالتأكيد من أسهم الرئيس الأمريكى لدى كلٍ من الجمهوريين، والديمقراطيين، لقد كان من اللازم خروج الرعايا الأمريكيين، والأجانب أولاً قبل الانسحاب، وتسليم أفغانستان، وليس العكس!! كان الموقف المصرى أكثر حكمة فى طلب الرئيس من الرعايا المصريين مغادرة أفغانستان فى الوقت المناسب قبيل تفجيرات مطار كابول بأيام.

إن المتضامن مع حكومة طالبان الجديدة يناصب الشعب الأفغانى العداء بطريق غير مباشر بعد أن رآه يحاول الفرار من أفغانستان، ولو حتى عن طريق اللحاق بطائرة على وشك الإقلاع، والأمهات اللاتى يضعن أطفالهن الرضع بين يدى الجنود ليكن أكثر اطمئناناً على حياتهم، ومصيرهم.

أما دول الجوار فيبدو أن الأمر بالنسبة لها مجرد تبدل أوضاع، وتغيير أشخاص؛ فروسيا أخلت سفارتها جزئياً، فى الوقت الذى ترتب فيه للقاء طالبان، والهند التى كانت دائماً ضد طالبان لا مانع لديها من التغيير، أما الصين فيبدو موقفها المرحب بوصول طالبان للحكم غريباً، كما أن وزير الخارجية الصينى قد قابل زعيم طالبان بالفعل، فهل تنوى الصين الاشتراك فى دعم صناعة الإرهاب على نحوٍ ما، ليكون هناك إرهاب صنع فى الصين! فلربما حقق ذلك لها رواجاً تجارياً جديداً بدلاً من تهديد طرقها التجارية.

إن الأزمة الأفغانية الحالية ترجع إلى أسباب عدة أهمها قلة الموارد، وغياب الديمقراطية، والتدخل العسكرى الأمريكى، والنزاعات الإثنية، والعرقية، علاوة على ضعف الإرادة السياسية، والوطنية، والتى تعد الآن المشكلة الكبرى، فأين دور الجيش الأفغانى؟ وكيف لا يقوم بدوره؟ ولماذا هو مستسلم للأمر الواقع إلى هذه الدرجة؟ كان يمكنه الاستفادة من الجانب الإيجابى الوحيد فى الأمر وهو تلقيه تدريبات عسكرية، ومعدات حديثة، وتمهيد طرق بلاده، وبنيتها التحتية، وقيام قوات التحالف بإسناد المسؤولية الأمنية إليه منذ 2014، كان البعض يقول على الجيش المصرى فى أعقاب ثورة 30 يونيو بأنه يقوم بدوره فقط! حقاً إنه كان يؤدى دوره المنوط به، لكن ماذا لو لم يقم بدوره؟ فى تلك الحالة كنا قد تحولنا إلى أفغانستان العرب.

من المتوقع بالطبع، أن تشهد الشهور المقبلة تفجيرات متعددة، وربما اغتيالات لشخصيات سياسية، وبوادر حرب أهلية، لكن الحل يكمن فى تصعيد الدور الوطنى متشبهًا بالدور الذى قام به "محمد نجيب الله" الذى قاوم حركة طالبان بدون أى دعم أمريكى حتى إعدامه فى 1996 بعد وصول طالبان للحكم. 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز