البث المباشر الراديو 9090
اللواء دكتور محسن الفحام
لم أكن أتخيل أن جرائم العنف المجتمعى، قد وصلت إلى هذه المرحلة من الانتشار بين محافظات مصر المختلفة شمالاً وجنوباً، وبتلك البشاعة التى ترتكب بها والتى وصلت أيضًا إلى درجة القتل والاختطاف، وذلك بالشكل الذى كاد أن يمثل ظاهرة أصابت المجتمع المصرى، خاصة وأن العديد منها قد وقع فى المحيط الضيق للأسرة الواحدة، وهى جرائم لم يعتد عليها المجتمع المصرى المسالم، حيث أنها دخيلة بالفعل على قيم وأخلاقيات المصريين، فرأينا الزوج يقتل زوجته أو العكس، والأخ يقتل شقيقه والابن يقتل والده أو والدته، وجميعها كما نرى قد تسببت فى خلق حالة من الخوف وعدم الأمان والاستقرار، الذى يهدد بنيان الأسرة المصرية والمجتمع ككل.

ثم شاهدنا مؤخراً نوعاً آخراً من انواع تلك الجرائم وهى الاختطاف، حيث تم اختطاف طفلين أحدهما من محافظة الغربية، والآخر من أسيوط، حيث كانت مطالب الخاطفين الحصول على مبالغ مالية، مقابل إطلاق سراح الطفلين إلا أن أجهزة الأمن نجحت وباقتدار فى إعادتهما إلى ذويهما، بعد استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية والتقنية؛ لمتابعة الخاطفين وتحرير الطفلين سالمين دون أى خسائر، بل أن الأمن قد نجح فى القضاء على أحدهم فى أسيوط، حيث تبين أنه عنصر إجرامى شديد الخطورة.

بطبيعة الحال فإننا لن نقوم هنا باستعراض تلك الجرائم، فقد قامت جميع وسائل الإعلام بتناولها بالتفصيل لدرجة أنه قد تم رصد 50 جريمة قتل، خلال شهر يوليو الماضى فقط، شغلت الرأى العام لبشاعتها وصعوبة تصديقها، ولعل أبرزها تلك القضية المعروفة بطبيب الدقهلية الذى طعن زوجته، فجر ثالث أيام عيد الأضحى المبارك، بعد زواج تم عن قصة حب، حيث فوجئنا بتلك الحادثة من خلال طعنها بالسكين 11 طعنة لمجرد حدوث مشادة كلامية بينهما.

وتلك الصديقة التى قتلت صديقة عمرها خنقاً بسبب تدخلها فى حياتها الشخصية، وغيرها من الجرائم التى وقعت لأسباب واهية كانت تصل فى النهاية إلى مرحلة القتل، ويبدو أن نوعية الجرائم فى الآونة الأخيرة قد أخذت شكلاً جديداً لتشمل جرائم الاختطاف التى أشرنا إليها، ناهيك عن جرائم التحرش الجنسى التى تقع يومياً إلى أن قرر البرلمان تغليظ العقوبة الخاصة به من جنحة إلى جناية.

إننا بالفعل أمام ظاهرة جديدة على المجتمع المصرى، ساهمت الكثير من الأسباب فى ازديادها مؤخراً، لعل من أبرزها:

-أن هناك العديد من المتغيرات الاجتماعية والثقافية والإعلامية والتكنولوجية، ساهمت فى زيادة العنف فى المجتمع من بينها ضغوط الحياة والتفكك الأسرى وانهيار الوازع الدينى والأخلاقى والتفسخ الاجتماعى، وهو الأمر الذى جعل هناك قدراً كبيراً من الهشاشة المجتمعية، وعدم القدرة على تحمل مصاعب الحياة وتحمل الآخر، الأمر الذى يجعل من اللجوء إلى العنف نوع من أنواع التنفيس عن تلك الضغوط.

-استخدام العنف من الأب أو الأم فى بداية حياة أبنائهم كأسلوب للتربية، قد يؤدى إلى إيجاد رواسب ذهنية لديهم بحسبان أن هذا العنف يمثل بعداً طبيعياً فى الحياة بصفة عامة.

-انتشار أفلام العنف والإثارة وإظهار بطولة البلطجى وانتصار الشر على الخير، وكذلك انتشار تلك النماذج الرخيصة من المطربين يعطى صورة ذهنية للشباب، أن ذلك هو الأسلوب الأمثل للحصول على مكاسب مالية كبيرة فى وقت قصير، طالما كان العنف وسيلة لتحقيق ذلك.

-تمثل البطالة والجهل وتعاطى المخدرات أحد أسباب اللجوء إلى العنف لتحقيق أى مكاسب مالية لتحقيق مطامعهم واحتياجهم للمال.

بطبيعة الحال فإن وضع حلول لمواجهة تلك الظاهرة، لا يمكن أن يكون من خلال مقال أو اثنين، فالأمر يستلزم وضع خطط متعددة للتعامل الجدى والحاسم تتشارك فيه جميع مؤسسات الدولة ذات الصلة، حيث تقوم وسائل الإعلام المختلفة والمؤسسات الدينية والاجتماعية والجمعيات الأهلية والأحزاب الفاعلة بدورها فى نشر ثقافة مجتمعية معتدلة تواجه بها تلك الظاهرة.

من ناحية أخرى يجب التوسع فى البرامج التأهيلية للزيجات الحديثة، التى تساعد الأزواج على ضبط النفس ومواجهة الصعوبات التى يتعرضون لها فى بداية حياتهم الزوجية، كذلك يجب التعامل القانونى والأمنى بجدية وحسم من تلك الجرائم، تفعيلاً لأحكام قانون العقوبات فى مواده رقم 240 و241 التى تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام فى حالة القتل مع سبق الإصرار.

ما زلنا نؤكد أن الوطن مستهدف وأننا لن نألوا جهداً لممارسة دورنا فى التوعية بكافة أشكالها، وعلى كافة المستويات تنفيذاً لتوجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى، واستكمالاً لقيادته الرشيدة للجمهورية الجديدة.

وتحيا مصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز