البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
منذ أيام انتفضت وسائل الإعلام العالمية، للحديث عن تشكيل حكومة طالبان، بهدف أن تعبر بأفغانستان طرق الانهيار التى يمكن أن تقضى على ما تبقى من الأفغان، كما ادعت حركة طالبان أنها تهدف إلى ذلك، وأيدتها الإدارة الأمريكية فيما ادعته، ولكن يبدو أن هذه الحكومة قد تقضى على ما تبقى من البنية التحتية فى ما كان يعرف سابقًا باسم دولة أفغانستان.

جاءت حركة طالبان فى غفلة من الزمن، وبعد تواطؤ أمريكى لا يمكن تجاهله، أو إنكاره، أيا كانت التصريحات المعلنة من قبل الإدارة الأمريكية، فلا يمكن بأى حال من الأحوال قبول هذه المشاهد المسرحية الهزلية، التى تخرجها الإدارة الأمريكية فى أفغانستان، والسعى حثيثًا لمساعدة حركة طالبان بهدف الوصول إلى السلطة، والسيطرة على جميع المدن الأفغانية، والسماح بإجلاء الأجانب، خصوصًا الجالية الأمريكية، من مطار كابول دون إطلاق رصاصة واحدة، وكأن حركة طالبان رفعت لواء المحبة، والتسامح، ولا تسعى إلى إسالة الدماء!

وقد يكون صعبًا أن يخيل علينا كل هذه المشاهد المصطنعة، وبدأ القلق يهيمن على كل المنطقة، بسبب عدم معرفة المصير القادم لهذه المنطقة، وللعالم كله، فى ظل سيطرة حركة طالبان على مقاليد الحكم، وإعادة بث الثقة من جديد لدى جميع أعضاء هذه الحركة، وغيرها من الحركات الإرهابية الأخرى، لا سيما تنظيم داعش، وما زاد من قلق الشعوب ومخاوفها، إمكانية أن يحدث تقارب بين حركة طالبان والقاعدة من ناحية، وبينهما وبين تنظيم داعش من ناحية أخرى، ما قد يترتب عليه العودة بقوة لارتكاب وتنفيذ المزيد من العمليات الإرهابية فى جميع مناطق العالم.

جاء تشكيل حكومة طالبان مخيبًا لآمال الشعب الأفغانى، وجميع المنطقة، بسبب تنصل حركة طالبان من جميع الوعود التى أعلنتها، وأهمها أن تشكيل هذه الحكومة سيمثل كل فئات الشعب الأفغانى، بجميع طوائفه، وأعراقه، ولكن حدثت الصدمة الكبرى، بعد أن احتكرت حركة طالبان الحقائب الوزارية، وتم إقصاء كل ممثلى الشعب الأفغانى من الأحزاب، والحركات، والأعراق الأخرى، مما قد يؤدى إلى القول بأن التعددية فى أفغانستان قد أصبح عليها السلام!

كما أن المرأة لم يكن لها نصيب من أية حقيبة وزارية، بل صرح قادة الحركة، بما هو أكثر من ذلك تجاه المرأة، بإعلان عدم أحقيتها فى ممارسة الرياضة، مما أدى إلى إثارة العديد من التساؤلات حول التصريحات الأمريكية بشأن وعود طالبان، وبشأن مرونتها فى التعامل مع القضايا المختلفة، وتعاونها المستمر بشأن الحفاظ على هدوء الأوضاع فى أفغانستان، ولم شمل الشعب الأفغانى بكل طوائفه، ولكن خاب ظن البيت الأبيض، إذا كان حقا يظن، وليس متيقنًا من مجريات الأحداث، ومشاركًا فى رسم ملامحها، لأن كل الظروف، ومجريات الأمور، تؤكد تورط البيت الأبيض فى كل ما يحدث.

لم تأخذ حركة طالبان فى حسبانها أية ضوابط، أو معايير، عند تشكيلها للحكومة، وما يلفت النظر، ويسترعى الانتباه، أن معظم عناصر الحكومة الجديدة من المدرجين فى قائمة العقوبات للأمم المتحدة، ومن المطلوبين لدى الإدارة الأمريكية، وتم من قبل رصد ملايين الدولارات، لتيسير القبض عليهم، وأدى كل هذا إلى إعادة النظر والتفكير فى اعتبار أن ما يحدث يعتبر مناورة أخرى من الإدارة الأمريكية، بحيث تؤكد هذه الإدارة أنها بعيدة كل البعد عن تشكيل هذه الحكومة، وأن بعض عناصرها يكونوا من المطلوبين لديها، وأن البيت الأبيض ليس له دورًا فى تشكيل الحكومة، وهو ما لا أؤيده، وأتفق مع من ذهب إلى أن كل ذلك يعد مناورة من الإدارة الأمريكية، ومحاولة منها لنفى الاعتقاد، والتسليم، بأن لها دورًا فيما يحدث فى أفغانستان.

فما يحدث من قبل حركة طالبان ضد الشعب الأفغانى، وضد أركان ومقومات الدولة الأفغانية، لا يمكن أن يتم إلا بتصريح أمريكى، وأن هناك العديد من المهام المستقبلية، لا يمكن تنفيذها إلا من خلال حكومة تشتمل على عناصر طالبان فقط، كى تتمكن من تحقيق أهدافها، التى تم تحديدها بالتشاور مع الإدارة الأمريكية، ليبدأ عهد جديد، مع حكومة جديدة، يطلق عليها حكومة طالبان الأمريكية!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز