الدكتور شحاتة غريب
ولم يأت إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، بطلب من دولة أو منظمة، أو وجهت مصر لإطلاقها، ولكن قد تم ذلك استنادًا إلى توجه مصرى خالص، قد بدأت ملامحه فى الظهور، بعد قيام ثورة الثلاثين من يونيه 2013، وتولى الرئيس عبدالفتاح السيسى، ليعبر بمصر إلى بر الأمان، وإنقاذها من أخطر، وأصعب التحديات، التى واجهتها على مر التاريخ، وليؤسس لجمهورية جديدة، لا تعرف إلا قيم الصدق، والشفافية، واحترام حقوق الإنسان، وترسيخ قيم الإيمان بأن وجود الإنسان يتوقف على، وجود الآخر، الذى يجب أن نقبله، أيًا كانت ثقافته، وأيًا كانت عقيدته، وانتمائه، وأن يكون احترام الإنسان ليس راجعًا لأى سبب، إلا لكونه إنسان!
وصدق رئيس الجمهورية عندما قال فى كلمته، بمناسبة إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، إن هذه الاستراتيجية تُعد علامة مضيئة فى تاريخ مصر، وأنها نابعة من فلسفة مصرية ذاتية، كما أن وجود الإرادة الصادقة، لتنفيذ هذه الاستراتيجية على أرض الواقع، سيكون الدعامة الرئيسية لنجاحها، وأن نقد الذات، والمكاشفة، والوضوح، يعتبروا من أهم المبادئ، التى يتأسس عليها نجاح أى استراتيجية، وقد أكد السيد الرئيس أنه قد نفذ العديد من المبادرات الصحية، لكفالة حق الإنسان فى الصحة، ولكنه قد أقر فى ذات اللحظة بأن المراد لم يتحقق كاملاً، وأنه ما زال هناك قصور فى تقديم الخدمات العلاجية، مما يتطلب حتمية تضافر الجهود كافة، لتحويل الأحلام إلى حقائق ملموسة على الأرض، ويشعر بها الجميع.
الجمهورية الجديدة التى سيعلن عنها قريبًا مع افتتاح العاصمة الإدارية، لا يمكن أن تقوم إلا إذا تم تنفيذ ما جاء فى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026)، ويجب إعادة النظر فى كل سياسات الدولة المصرية فى التعامل، بهدف تطوير هذه السياسات، بما يؤدى إلى احترام حقوق الإنسان، وتحقيق التوازن بين هذه الحقوق والواجبات، وأن يكون موجودًا منهجًا واضحًا مبنيًا على أسس علمية، للتعامل مع الفرص والتحديات التى تواجه حقوق الإنسان بجميع أشكالها، وصورها، حتى نتمكن من وضع المقترحات الكفيلة بتنفيذ الاستراتيجية بمحاورها الأربعة.
جاءت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان على أربعة محاور، الأول منها يتعلق بالحقوق المدنية والسياسة، والثانى يدور حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والثالث يخص حقوق المرأة، والطفل، والأشخاص ذوى الإعاقة، والشباب، وكبار السن، والرابع يعالج مسألة التثقيف، وكيفية بناء القدرات فى مجال حقوق الإنسان.
ولا شك أن الدولة المصرية، بذلت جهدًا عظيمًا فى هذا الشأن، وقد أحدثت تقدمًا ملحوظًا فى مجال الاهتمام بهذه المحاور الأربعة، وإن كان هذا التقدم لا يصل إلى المستوى المستهدف، إلا أنها تعتبر بداية جادة، وقوية، سيجنى الشعب المصرى ثمارها خلال السنوات القادمة، ولكن كى يتحقق ذلك، يجب أن يُدرك الجميع أن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لا يقع على عاتق الحكومة فقط، بل يجب أن نقر بأن تنفيذها يقع على عاتق المجتمع كله، بما فيه من منظمات مجتمع مدنى، وأحزاب، وإعلام، ومؤسسات دينية، وأن تخلص كافة الأطراف النوايا، لإعلاء القيم الإنسانية.
إذا كانت القيادة السياسية تبنت العديد من المبادرات الرئاسية، والتى يكون من أهمها، مبادرة حياة كريمة، التى أبهرت العالم، بغرض تحقيق العديد من الأهداف التى تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، ومن أهمها، القضاء على الفقر، والقضاء التام على الجوع، والتعليم الجيد، والصحة الجيدة، وغير ذلك من الأهداف، التى تحقق جودة الحياة، فإن ذلك كله يعنى أن الدولة المصرية، وقيادتها السياسية، تؤمن إيمانًا تامًا بضرورة تهيئة المناخ، لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتنفيذ ما جاء فى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ولعل ذلك يُعد فرصة سانحة وحقيقية لكل فئات المجتمع، للتعاون، والمشاركة، مع القيادة السياسية، لتنفيذ هذه الاستراتيجية، كى نضمن فى ظل وجود عهد جديد، وجمهورية جديدة، كفالة حقوق الإنسان واحترامها.