الدكتور شحاتة غريب
وقد جاء فى البيان الصادر عن مجلس الأمن، حتمية استئناف المفاوضات بين الدول الثلاث إثيوبيا، ومصر، والسودان، تحت مظلة الاتحاد الإفريقى، وأهمية الانتهاء من صياغة نص اتفاق ملزم لهذه الدول الثلاث، وأن يتم ذلك خلال فترة زمنية معقولة، وقد أكد هذا البيان اضطلاع مجلس الأمن بمسئولياته عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وتوجيهه للدول الثلاث بأهمية استئناف المفاوضات، والتحلى بالجدية، والمصداقية، وأن تكون هناك إرادة حقيقية لتسوية الخلافات، والوصول إلى اتفاق قانونى ملزم، يحافظ على حقوق هذه الدول!
فبعد أكثر من شهرين على جلسته الاستثنائية، أصدر مجلس الأمن البيان الرئاسى كما قدمته تونس الشقيقة، وقد تخوف كثير من المتابعين من موقف مجلس الأمن عندما تقدمت تونس فى يوليو الماضى بمشروع البيان، بسبب محاولات إثيوبيا وبعض الدول المؤيدة لها على غير سند من الواقع أو القانون، إفشال المشروع التونسى، ورفض مجلس الأمن له، على أساس أنه يخرج من دائرة اختصاصه، ولكن قد تحول التخوف إلى طمأنينة بعد إصدار مجلس الأمن للبيان الرئاسى، والانتصار للمشروع التونسى، الذى يبرهن على مصداقية الموقف المصرى، والحقوق المشروعة له.
وتجدر الإشارة إلى أن البيان الصادر من مجلس الأمن بشأن السد الإثيوبى، قد حقق العديد من المكاسب للجانبين المصرى والسودانى، حيث التأكيد على أهمية العودة إلى المفاوضات دون تعنت، وعدم ممارسة نفس الأعمال التى تمت طوال عشرة سنوات ماضية، والتى أدت إلى فشل ذريع لكافة جولات التفاوض، بسبب المراوغة، والمماطلة، وعدم حسن النوايا، وكثير من التصرفات غير المسئولة التى ارتكبتها الإدارة الإثيوبية، للعمل على إفشال كافة محاولات التسوية، والعودة دائما إلى نقطة الصفر!
ومن المكاسب التى تحققت أيضا من البيان الرئاسى الصادر من مجلس الأمن، هو تشجيع وتحفيز المراقبين على الاستمرار ومواصلة تعزيز ودعم المسار التفاوضى، وتذليل كافة العقبات التى يمكن أن تعترض مسيرة رحلة المفاوضات، سواء كانت عقبات فنية، أو قانونية، وأهمية حلحلة كافة المشكلات التى يمكن أن تثور بين الدول الثلاث، لتيسير عملية تسوية كافة المسائل العالقة بين هذه الدول.
ولعل إشارة البيان الرئاسى إلى أهمية صياغة اتفاق قانونى ملزم، يعد وبحق مكسبا مهما للجانبين المصرى والسودانى، كما أن إشارة البيان إلى عنصر الزمن فى مسار المفاوضات، يعتبر ضربة قاسية للإدارة الإثيوبية، حيث عدم إفساح المجال لهذه الإدارة، بأن تعطل مسيرة التفاوض كما فعلت فى السنوات العشرة الماضية، وذلك لأن البيان الرئاسى قد أوضح بشكل لا يقبل التأويل، حتمية أن يتم الوصول إلى اتفاق قانونى ملزم خلال فترة زمنية معقولة، ومن ثم لا يستطيع الجانب الإثيوبى المماطلة، أو عرقلة جولات التفاوض، لأنه إن فعل ذلك سيكون مكشوفا أمره أمام المجتمع الدولى، وإدراك هذا الأخير للمسئول الحقيقى عن تفاقم الأزمة، وأخذ المنطقة إلى كوارث قد تؤثر على العالم كله!
ورغم إشارة البيان إلى أن مجلس الأمن ليس جهة الاختصاص فى النزاعات الفنية والإدارية حول مصادر المياه والأنهار، إلا أن اعتماد هذا البيان فى جلسة رسمية، وإصداره باعتباره وثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن، يعد انتصارا للدبلوماسية المصرية، وتأييدا لكافة المواقف، والتصرفات التى اتخذتها القيادة السياسية المصرية تجاه الأزمة، ولعل إشارة البيان لاتفاق المبادئ الصادر فى مارس 2015، يؤكد ذلك، حيث تأكيد مجلس الأمن على ضرورة العودة إلى هذا الاتفاق، والالتزام بمبادئه العشرة، وهو ما أشارت إليه القيادة السياسية المصرية مرارا وتكرارا، حرصا على صالح شعوب الدول الثلاث، وليس حرصا على صالح الشعب المصرى وحده!
ومن جانبها، أعلنت الإدارة الإثيوبية عن أسفها، بسبب إصدار مجلس الأمن للبيان الرئاسى الذى قدمته تونس، وأشارت إلى أن تونس قد ارتكبت زلة تاريخية، وأن مجلس الأمن ليس المكان المناسب لأزمة السد، وأن القضية تقع خارج دائرة تخصصه، كما أعلنت الإدارة الإثيوبية عدم إلزامية البيان لها، وهذا يؤكد وبجلاء من الدولة الحريصة على حلحلة الأزمة، ومن الدولة المصدرة للأزمات، وغير الراغبة فى تحقيق الاستقرار للمنطقة!
فعندما نقارن بين الموقفين المصرى والإثيوبى، نجد ترحيبا كبيرا من الإدارة المصرية بالبيان الرئاسى الصادر من مجلس الأمن، ونجد استمرارا لرحلة المراوغة، والتعنت، من جانب الإدارة الإثيوبية، ويبدو جليا لكل متابع بإنصاف لأزمة السد الإثيوبى، أن الإدارة الإثيوبية لا تبحث عن الحل، ولا ترغب فى الوصول إليه، مما يؤكد أنها لا تهدف إلى تحقيق النهضة كما تدعى، ولكنها تهدف إلى خلق مشاكل سياسية، واضطرابات، تنفيذا لأجندات أخرى تبعد كل البعد عن قضية التنمية التى تزعم الرغبة فى تحقيقها!
فماذا فعلت تونس كى تعلن الإدارة الإثيوبية أنها ارتكبت زلة تاريخية؟! وماذا تقصد من إعلانها أن البيان الرئاسى لا يتضمن إلزاما قانونيا لها؟! وهل استمرارها فى الملء وإدارة وتشغيل السد دون اتفاق مع دولتى المصب هو الطريق الصواب؟! وهل مواصلة التعنت وعدم احترام توجهات المجتمع الدولى يليق بدولة ينبغى عليها أن تحترم جيرانها، وعدم تهديد مصالحهم؟!
لا ريب أن الأمر يكون واضحا، لا لبس فيه، أو غموض، ويؤكد على عدم حسن النوايا لدى الإدارة الإثيوبية، وبدلا من أن تكيل الاتهامات للجانب التونسى، كان ينبغى عليها أن تتقدم بالشكر له، لأن مشروع البيان الذى قدمته لمجلس الأمن فى يوليو الماضى، يتسم بالإنصاف، والعدالة، ولم يمس حقوق أى دولة من الدول الثلاث، بل قد دعا إلى حتمية التفاوض بجدية، وحسن نية، وصولا إلى اتفاق ملزم يضمن حقوق الشعوب فى هذه الدول.
فهل أذنبت تونس لأنها ترغب فى المصالحة المبنية على الاعتراف بالحقوق المشروعة للدول الثلاث، وعدم الإضرار، أو المساس بها؟! كما أن مجلس الأمن لم يخرج عن دائرة اختصاصه، بل قد اضطلع بمسؤولياته عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وقد أدرك خطورة الموقف وعواقبه الوخيمة على المنطقة، وعلى العالم كله، وهو ما قد دعاه إلى الموافقة على البيان التونسى دون تعديل، كى تعود بجدية الدول الثلاث إلى المسار التفاوضى، واحترام كافة الاتفاقيات الدولية فى هذا الشأن، واحترام المبادئ العشرة الواردة فى اتفاق المبادئ الصادر فى 2015.
فكل ما تدعيه الإدارة الإثيوبية لا يصب فى صالحها، قبل أن لا يكون فى صالح مصر أو السودان، وأن إعلان أسفها بسبب البيان الرئاسى الصادر من مجلس الأمن لا يكون مبررا، وعليها أن تعود للصواب، وأن تسلك الطريق الذى يصل بالجميع إلى بر الأمان، والحفاظ على حقوقهم، وأن تدرك جيدا أن الفرصة تكون سانحة الآن، لاستئناف المفاوضات، وأن تعترف بأن أية محاولات أخرى تهدف إلى إفشال عودة التفاوض بجدية، ستكون هى أول المضرورين، لأن المجتمع الدولى قد أدرك جيدا موقف كل دولة من الدول الثلاث، وقد علم جيدا الإدارة المتعنتة، والإدارة التى تسعى بإخلاص إلى حل الأزمة، ولذلك يكون المكسب الحقيقى من وراء البيان الرئاسى الصادر من مجلس الأمن هو كشف الإدارة الإثيوبية على حقيقتها، إذا حاولت إفشال مفاوضات المستقبل، وهنا تكون كل الخيارات متاحة، وبمساندة قوية، ومشروعة، من المجتمع الدولى!