البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
تركت والدتها تكمل حديثها فى الهاتف ثم خرجت إلى الشرفة ترقب حركة الشارع الشهير الذى يعج بالمارة، والسيارات فى منتصف النهار.. تعودت أن تركز بصرها على المارة من النساء أو الرجال أو الأطفال القادمين من بعيد سيرا على أحد الرصيفين ثم تتابع مرورهم أمام المحال المتراصة على الجانبين، ووقوفهم أمام فاترينة ما.

البعض يمر سريعا ويلحظ بعينيه البضائع من ملبوسات، وأحذية، وحقائب، وكتب، وتحف، ومأكولات دونما توقف حتى يصبح أسفل الشرفة.. تراهم من الطابق الثالث، يتضح شكلهم وهيئتهم أكثر عن قرب.

ثم بعد أن يمروا من أمام ناظريها يستمرون فى السير، وتستمر فى متابعتهم، بعد أن تعدل من وضعية رأسها قليلا، وهم يواصلون رحلتهم تجاه بقية الطرف المقابل من الشارع، يبتعدون رويدا رويدا حتى يختفون عن الأنظار وهم لا يدرون أن هناك من يرقبهم عن كثب.

هذا النوع من المتابعة كان هوايتها الدائمة منذ الصغر حتى أصبح دأبا دائما ينبض بالحركة اليومية المتجددة صباحا، ومساء.. تنظر فى ساعة يدها لتطمئن أن الوقت لم يحن بعد لتصطحب طفلتها فى رحلة العودة من مدرستها.. الشارع الرئيسى يقابله عدة شوارع أخرى جانبية، فإذا أرادت لرؤيتها بعدا حالما آخر نظرت أمامها مباشرة فى مرمى البصر ستجد شرفات متعددة، ومتفرقة فى الفضاء الممتد أمامها.

تستطيع أن تميز بعض من يطلون منها باستمرار. البعض لا تعرف عنهم شيئا، مجرد رؤوس بعيدة أو دمى بشرية تعلن عن تواجدات آدمية، والبعض الآخر تعرف القليل أو الكثير عنهم بحكم الجيرة، وتراكم السنوات، وحكايات والدتها، ورفقة المدرسة والجامعة.

كانت الشرفة المقابلة لها فى المدى البعيد، لكنها على قدر من الوضوح لمرمى البصر، فى البناية ذات اللون الرخامى المائل إلى الصفرة.

أوانى الزرع على الجانبين، ترى إحداهن ترتدى تى شيرت أسود وقد رفعت شعرها إلى الخلف، ربما كانت إحدى قريباتهم أو ابنة أو زوجة الابن الأصغر الذى قتل بين ضحايا الجيش فى أحد الاعتداءات الإرهابية التى كثرت فى الآونة الأخيرة.

تعودت أن ترى فى طفولتها الأم تطل بين الفينة والأخرى من الشرفة أو تسقى الزرع، كانت دائما تظهر فى ثيابها السوداء، بأكمام طويلة أو قصيرة، منذ أن تفتحت عينيها عليها، قامتها هيفاء، خمرية اللون، وممشوقة القوام، وترتدى إحدى الباروكات السوداء المنتشرة فى تلك الفترة.

تتذكر جيدا تلك الشرفة فى ذلك اليوم فى أعقاب "حرب أكتوبر" مع أنها كانت لا تزال طفلة صغيرة لم يتعد عمرها بضع سنوات.. كانت مكتظة عن آخرها بسيدات ترتدين اللون الأسود وتحاولن أن تكفكن دموع السيدة سوسن التى بدت تبكى بشدة من بعيد أثناء توديع جثمان الزوج فى جنازة مهيبة.

ظلت تلمح الأم بعد ذلك إذا تصادف خروجها للشرفة فى أوقات تتزامن مع وجودها، وكانت تسمع من أحاديث والدتها مع الجارات قديما عن زوجة الشهيد فى الجوار القريب التى كانت ترفض كثيرين تقدموا للزواج منها، كانوا يعللون ذلك بأنها تخشى وجود زوج أم لأولادها الذين لا تؤثر عليهم أحدا، إلى أن توفاها الله.

وقت وفاة الابن تكرر المشهد فى نفس الشرفة بدون وجودها، نساء ترتدين ملابس سوداء.

لم يتسن لها رؤية ملامح السيدة سوسن، وقسمات وجهها عن قرب إلا عندما رأت صورتها وقتما ذهبت إلى منزلهم منذ عدة شهور للتعزية فى وفاة ابنها بصحبة مجموعة من الجارات من زميلات الدراسة والجامعة من نفس الجوار، وكأنها كانت تتعرف عليها للمرة الأولى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز