البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
عندما كان الكبار يبتسمون فى وجهها وهى طفلة صغيرة، كانت تشعر أنهم يسخرون منها ومن جسمها المكتنز بالشحوم.. إحساسها أنها كبيرة الحجم يجعلها تفكر كثيرا قبل أن تقدم على أى تصرف لأنها ربما ستكون موضع ضحكات البنات، والأولاد.

شعرت ذات مرة بالحرج الشديد عندما تجمعوا حولها فى حلقة متشابكى الأيدى، وهم يرددون: "فاتى، فتة..." بعدها أجهشت بالبكاء، فأحس بعضهم بالندم على فعلتهم، وبدأوا بمحاولة إقناعها أنهم كانوا يمزحون معها لمجرد التسلية، أخبرتها إحداهن ذات عيون متسعة، وشعر أسود مربوط إلى الخلف ومنسدل على ظهرها، وفم صغير، كانت تحسبها فى ذلك الوقت فاتنة؛ أن شقيقتها الكبرى كانت سمينة وهى طفلة، لكنها بمساعدة أحد أطباء التخسيس استطاعت عمل نظام غذائى أفقدها الكثير من الوزن حتى صارت نحيفة عندما كبرت وأصبحت شابة، وهكذا ظهرت فى صور خطبتها، وزفافها.

عندما ذهب والداها فى صباح أحد الأيام التالية إلى مكتب السيدة مديرة المدرسة للشكوى من تصرف زملائها، ابتدأت تعرف أن الإنسان ليس بشكله فقط، ولكن بحسن تصرفاته فى الحياة.. أخبرها والداها ألا تعير اهتماما لهؤلاء الأولاد السفلة الذين لم يحسن والديهم تربيتهم.. وكأن أغنية "دبدوبة التخينة" فى أعياد ميلادها تتحرش بها. عندما كان والداها يرددانها مع الحضور، كانا يبدوان وكأنهما يشاركان فى التنمر، كان إحساسها بذاتها يتشابه مع البالونات التى تقوم بنفخها فى هذا اليوم.

والدتها من النوع الذى يهتم كثيرا بطعام أولاده؛ بنوعيته، وفائدته، وسلامته، وأيضا بكميته الوفيرة. أختها، وأخاها كانا يأكلان من نفس ما يقدم لها، وبنفس الوفرة، لكنهما لم يكونا بدينين مثلها. عندما ذهبت مع والدتها إلى أخصائى التغذية، لم يفت أمها بالطبع أن تذكر ذلك أمام الطبيب فأخبرها بعد الفحص بأن ذلك "طبيعة أجسام" لكن لا توجد لدى ابنتها أية اختلالات هرمونية، عليها فقط اتباع حمية غذائية، وممارسة بعض التمارين الرياضية.

لكن جميع الأنظمة الغذائية التى حاولت اتباعها بمساعدة أهلها باءت بالفشل، ولم تستطع الالتزام بها فى سن المراهقة كثيرا بل إن ما جمعها بصديقتها المقربة هو حبهما للطعام، والذهاب إلى مطاعم الوجبات السريعة فى أيام الإجازات حيثما لم تكن تستطع مقاومة الفرنش فرايز، سحر أصابع البطاطس المحمرة اللذيذة، ولا قطع الدجاج المقرمشة أو قطع الهمبرجر بالجبن، والخس، والمايونيز... على الرغم من أن والدتها كانت تعد لها نفس الطعام، إلا أنها وصديقتها كانتا تتفقان على أن الطعوم فى مطاعم الوجبات السريعة لها مذاق خاص ألذ من طعام البيت.

كانت تعتقد أن اقبال صديقتها المقربة غير السمينة على صداقتها هو نوع من الإخلاص، وعلى الرغم من عدم ارتياح والدتها لها، كانت تقدر أنها لم تبتعد عنها بسبب سمنتها أو تخجل من الظهور معها وهى بدينة، فبادلتها ما بدر منها من ولاء، وكانت تفصح لها بإخلاص عن كل ما يدور بداخلها، وعن انطباعاتها عن الجميع من البنات، والأولاد؛ والمدرسات، والمدرسين؛ والنجمات، والنجوم. عندما كبرتا قليلا نمت علاقتهما، بدأتا تفصحان لبعضهما عن الشكل الذى تتمنيان أن يكون عليه فتى الأحلام فى المستقبل، ومدى تحقق ذلك فى بعض الصبية من حولهما.

بدأت تلحظ بعض الملامح الجمالية فى قسمات وجهها وجسدها، مع زيادة وزنها كانت تشعر بأنها مثل إناء الجيلى المترجرج.. يؤرقها ألا تجد ما يناسب حجمها من الملابس التى تنال اعجابها مما ترتديه صديقتها، وباتت مهمتها فى انتقاء ملابس تناسبها بصحبة والدتها "مهمة مستحيلة".

يزعجها بالأكثر الذهاب إلى المحال المتخصصة فى المقاسات الكبيرة، وكأنها مهرجان الاحتفاء بالبدناء، كانت تذكرها بسخافات، وتنمر زملائها أثناء الطفولة. قلل من انزعاجها فى فترة الشباب وجود قسم خاص "بيج سايز" فى بعض محال الملابس التى تتردد عليها، ربما قلل ذلك من شعورها بالحرج، وجعلها تشعر أن الأمور عادية لكنها متفاوتة.

لم تكن تلتفت فى الجامعة كثيرا إلى تودد بعض الشباب إليها، ربما زيادة وزنها عنهم كان يعطيها إحساسا بأنهم أصغر منها سنا، ولا يصلحن لها، تعرف أن بعض الرجال تروق لهم السمينات، لكن فى ذات الوقت ارتباطها بشخص سمين سيبدو أمرا لافتا.

ولم تكن تفكر فى الالتحاق بالجامعات الخاصة لكن مجموعها كان وراء ذلك، فكانت تفترض دائما أنها أذكى من زملائها.

ما زال يخدش روحها الناعمة ذكرى ذلك الشاب الذى عرفتها عليه صديقتها الأثيرة فى سنوات الدراسة، كان أحد أقربائها، لذلك اعتبرته مثلها تماما.. بدأت تتحدث معه هاتفيا، وزادت مكالماتها معه عندما يخلد الجميع للنوم أو أثناء عدم وجود أحد. محادثاتهما عبر الإنترنت أصبحت جزءا من روتينها اليومى بل خصمت من وقت أحاديثها مع صديقتها لصالحه هو. ربما كان شريك حياتها فى المستقبل، تتخيل أنها تخلع ملابسها أمامه وهى مازالت سمينة، ستصبح مثل الدرفيل المترهل، عندما طلب منها ذلك ذات يوم بالفعل، غضبت منه، وقطعت علاقتها معه، وعرفت أنه سيعتذر، وسيصالحها بعد حين، لكنها فوجئت بصورتها مع صديقتها قريبته فى إحدى المناسبات على صفحته على فيسبوك وقد كتب عليها تعليقا ساخرا. سألت صديقتها أن تطلب منه حذف تلك الصورة من على حسابه فرفضت أولا، ولكن بعد إلحاح منها تم حذف الصورة، إلا أنها قطعت علاقتها بكليهما إلى الأبد.

أتت إليهم هذه السنة أستاذة من إحدى الجامعات الحكومية، بيضاء، تميل إلى السمنة، ترتدى نظارات طبية، جميلة الملامح، حسنة الهندام، شعرها كستنائى متوسط الطول، مع فرق على أحد الجانبين، تجيد الشرح والتوضيح فأقبل جميع الطلبة على حضور محاضراتها.

كانت الأستاذة تجيد اختيار ملابسها بطريقة لا تظهرها بشكل يزيدها سمنة. كانت تتعامل مع وزنها الزائد بصورة طبيعية، وتبدو متقبلة للأمر، ومتصالحة مع نفسها. بين الحين والآخر تعدل من وضع نظارتها الطبية لتحكم ثبات وضعها فكانت تبدو مثل الإعلانات فى محال النظارات، ولكنها أكثر سمنة.

واظبت على حضور محاضراتها بانتظام، كانت تسجل كل ما تقوله وهى تتأملها جيدا، تعجبها شخصيتها، وحديثها. حصلت فى نهاية العام على تقدير امتياز فى تلك المادة، وخسرت أيضا عدة كيلوجرامات من وزنها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز