مريم عيد
كنيسة "ويستمنستر" التى شهدت من قبلً مراسم تتويج، وحفلات زفاف كان أبرزها حفل زفاف ولى العهد الأمير وليام، وزوجته الأميرة كيت ستشهد اليوم هذا الحدث، لنتذكر أن الحياة كما لخصها أديب نوبل "نجيب محفوظ" فى عنوان إحدى روائعه ما هى إلا "حديث الصباح والمساء".
رأى كثيرون حول العالم فى الراحلة "الأم" أو "الجدة" كما يراها الأمريكيون، فأمريكا وإن بدأت عهدها بالاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية، إلا أنها لا ترى نفسها حديثة العهد أو أن تاريخها يمتد إلى 500 عاماً من الزمان فقط، لكنها ترى نفسها امتداداً ليبرالياً مستقلاً لتلك الدولة ذات الإرث الحضارى والثقافى المديد.
لا عجب فى أن تحتل كل تلك المكانة لدى البريطانيين أنفسهم، إذ تمتزج قيمتها الإنسانية بمشاعرهم الوطنية، وبفخرهم ببلدهم. فتدفقوا بالآلاف لإلقاء نظرة الوداع، وتحيتها حيث ترقد فى "قاعة وستمنستر" الكبرى، ومازالت فى المخيلة صورة مغنى الروك أعلى قصر باكنجهام فى احتفالات الملكية باليوبيل يشير إلى أنها كانت ملكة لكل العصور، محافظة لكن غير تقليدية.
حكى لى أبى أن صديقته البريطانية بالمراسلة فى صباه كانت تبعث إليه بصورها مع خطيبها، وكانت ترسل له أيضاً بالإضافة إلى صورهما الشخصية والعائلية المتبادلة صوراً من الواقع الإنجليزى، وفى مركزه صور متنوعة للملكة إليزابيث مع الأمير "فيليب"، فالمسألة بالنسبة لهم فى تلك الأيام ليست عادات وتقاليد ملكية مرعية فقط، ولكنها أيضاً مشاعر وطنية، فالملكة بالنسبة للإنجليز بمثابة الهرم، والنيل بالنسبة للمصريين، سواء ممن يؤيدون الملكية، وهم الأغلبية حتى الآن، حوالى 62% حسب آخر استطلاعات الرأى، أو ممن لا يؤيدون الملكية وفى مقدمتهم رئيسة الوزراء "ليز تراس" والتى بدأت خطابها فى نعى الملكة لتصف مشاعر الأمة الإنجليزية إثر نبأ وفاة الملكة “We are devastated” أى "محطمون" من شدة الصدمة، فهى بالنسبة لهم قلعة إنجليزية حصينة أو كما وصفتها فى ذات الخطاب "الصخرة" التى بنى عليها تاريخهم الحديث.. عندما كنت أتساءل فى طفولتى عن سبب انقلاب الكثير من الشعوب على ملوكهم بينما لا يحدث هذا فى بريطانيا، كانت الإجابة تأتينى من والدى: "الأمر يختلف حبيبتى، لأن بريطانيا مملكة مستنيرة".
نشارك الشعب الإنجليزى العزاء فى وفاة الملكة إليزابيث الثانية، فالعزاء فى كل الثقافات، وفى ثقافتنا المصرية على وجه الخصوص هو أمر موضوعى متعلق بالمناسبة ذاتها. فمهما كانت خلافاتنا واختلافاتنا ينبغى أن نشاطر العزاء. فلا مبرر فى هذا الوقت للحديث عن الماضى الاستعمارى لبريطانيا! بريطانيا بالفعل لها ماضٍ استعمارى لا أدعو إلى محوه أو نسيانه، وإنما ينبغى احترام أحزان إحدى أهم الأسر المالكة على مستوى العالم، ومن أكثرها شعبية، وتواصلاً مع الناس فى وفاة ملكة من أكثر الملكات جلوساً على العرش.
من زاوية أخرى تاريخية فإن الملكة إليزابيث تبوأت العرش فى 1952 وواكبت أفول نجم الإمبراطورية البريطانية التى "لا تغرب عنها الشمس" حيث كانت ممتدة فى أرجاء الأرض فلم تعاصر الملكة فترة هذا الماضى الاستعمارى.
السبب الثالث هو المبدأ المعروف أن الملكة "تملك ولا تحكم" فالملكة تمثل بريطانيا أمام العالم وأمام قادة الدول لكنها لا تقر أية سياسات، يمكنها أن تختلف مع بعض السياسات، وأن تبدى وجهة نظرها فى لقاءاتها المنتظمة مع رئيس الوزراء وهو المنصب الأهم فى صناعة القرار السياسى، لكنها "لا تحكم" قد تمتلك سلطة إقالة الوزراء، وصلاحية حل البرلمان، لكنها رأس الدولة وليست رأس الحكومة.
الاعتبار الرابع هو أن العالم يسعى إلى تقارب وجهات النظر وإلى تحقيق المزيد من السلم العالمى والذى لن يتم بالتركيز فقط على الفترات السوداء من تاريخ البشرية، ولكن ماذا بعد؟ لماذا يريد البعض أن نظهر بمظهر الآخذين بالثأر فى فترات المحن الإنسانية التى تصيب الجميع، ونتوقف عند ذلك ونكتفى به فى تحقيق استقلاليتنا. فالتاريخ لا يتوقف. اليابان لم تظل قابعة فى غياهب تبعات قنبلتى هيروشيما ونجازاكى ملقية باللوم على المتسببين فى هذا الخطأ الذى لن يغفره التاريخ. لكنها تجاوزت تلك المحنة، والكارثة الإنسانية الأسوأ فى تاريخ البشرية، وأعادت بناء نفسها لتشارك التقدم مع من كانوا السبب.
المشهد فى الأيام التالية لا أرى أنه سيختلف كثيراً فى بريطانيا، ستختفى الملكة إليزابيث فقط من المشهد، أما الأمير "تشارلز" أو الملك تشارلز الثالث فلن يفاجئنا وجوده لأنه كان حاضراً باستمرار، وديناميكى الحراك، ومتفهماً لكافة الأطياف. سيُعترف بوجوده فى النشيد الوطنى الذى سيتغير من "حفظ الله الملكة" إلى "حفظ الله الملك" “God Save the King” بينما أوراق البنكنوت مازالت تحتفظ بصورة الملكة، وكانت مثار تساؤل البريطانيين فى أعقاب وفاة الملكة إلى أن قام "بنك لندن" بطمأنتهم أن العملات التى توجد عليها صورة الملكة سارية المفعول، وقيد التداول إلى أن يتم استبدال صورتها بصورة الملك الجديد وستسغرق تلك العملية بعض الوقت الذى قد يستمر مدة سنتين.
تحدثت الملكة هذا العام إلى مواطنيها بنظرة استشرفت المستقبل حيث قالت لهم:
"عندما يعتلى ابنى الأمير تشارلز العرش، أعلم أنكم ستمنحوه وزوجته كاميللا نفس الدعم الذى أوليتمونى إياه"، وهذا هو ما يحدث الآن فى بريطانيا بالفعل.