سمر مدكور
رغم امتلاك الدولة المصرية لمُدوّنة طويلة من وسائط التوثيق، فيما يخص الأوراق والمكاتبات الرسمية والسجلات والمطبوعات، إلا أنها كانت تفتقر لمنصّة نوعية تستفيد من تلك الذاكرة الضاربة فى عمق الزمن، وتُطوّرها، وتُتيحها لأجيال جديدة اختلفت عاداتهم ووسائل تلقّيهم للمعرفة.
هكذا يمكن استكشاف أهمية الخطوة الواسعة التى قطعتها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وقطاع إنتاجها الوثائقى مُؤخّرًا، بإطلاق قناة وثائقية تضطلع بمهمة تنشيط الذاكرة الوطنية، وتوثيق الحكايات والمواقف، وإتاحتها لأجيال ممّن يتعطّشون للمعرفة والتماس تفاصيل بلد عظيم ينتمون إليه ويعيشون فى رحابه.
ميزة قناة "الوثائقية" أنها تتأسّس على أرضية وطنية تُؤمن بأهمية المعرفة، وتجتهد من أجل تعزيز الوعى، وتستفيد بتراثها من أجل تشكيل واقعها واستكشاف ملامح مُستقبلها، وهى فى ذلك تستند إلى ذخيرة وطنية ضاربة فى عُمق التاريخ، ومُشتبكة مع كل ملفّات المنطقة والعالم، ولديها رؤية أصيلة تنطلق من مُدوّنة قيم ومصفوفة مواقف وانحيازات تُقدّس الهويّة الوطنية، وتحترم التمايزات الإنسانية، وتضع البشر وبناءهم العقلى والروحى فى مُقدّمة الأولويات.
انطلاقة قناة "الوثائقية" مساء الأحد الماضى كانت قويّة ومُبشّرة، فإلى جانب جودة الأعمال المطروحة فنيًّا وتكاملها فى كل عناصر الابتكار والتنفيذ بأعلى صور الجديّة والابتكار، كانت نوعية الموضوعات وتسلسلها مُؤشّرًا مُهمًّا على الظهير المعرفى والفكرى الذى تستند إليه التجربة، فمن انطلاق بفيلم عن "أدهم الشرقاوى" يقرأ جانبًا من ماضينا بموضوعية وتمحيص؛ لفض الاشتباك حول قصّة جرت مجرى الأسطورة الشعبية فى الوعى العام، إلى حوارٍ عميق مع أمير حدود داعش يتصدّى للفكر بالفكر مُتكاملاً مع جهود أمنيّة أنجزتها مُؤسّسات الدولة فى حصار الإرهاب وامتداداته الحركية، إلى فيلم "المصيدة الرقمية" الذى يشتبك مع الراهن والمُستقبل ويضع المشاهدين فى قلب سياق عصر المعلومات بما يتيحه من مزايا ويفرضه من تحدّيات، تتكامل عناصر الصورة لتُنبئ عن رؤية شاملة تنتهجها القناة الجديدة، تنحاز إلى النقاش العاقل الرصين، وإلى التسلّح بالمعرفة جنبًا إلى جنب مع التسلّح بالقوّة، ولا تنعزل عن محيطها العالمى وتحدّياته الطارئة من رحم فريضة التطوُّر التى لم تعد اختيارًا.
إلى جانب هذا الدور التوثيقى والتنويرى المهم، لا يغيب عنصر الترفيه باعتباره حجرَ زاوية فى منظومة بناء إنسان واعٍ وسوىٍّ نفسيًّا، يملك المعرفة، ويُمسك بأسباب العقل والحوار الجاد، ويُجيد الاستفادة من وقته إمّا مُتعلّمًا وإمّا مُستمتعًا.
هذه الرؤية بكاملها تنسجم مع خطاب الجمهورية الجديدة والرئيس السيسى عن بناء الإنسان واهتمام الدولة المصرية بتكامل عناصر التنشئة السليمة، من باب أنها المدخل لإنتاج مُواطنين واعين وقادرين على الاشتباك مع العصر وتحدّياته، كما أنها مفتاح تحصين المجتمع وتعزيز مناعته؛ ليكون قادرًا على مُجابهة التحدّيات والتصدّى لها ببصيرة سليمة وقدرة فاعلة.
إن خطوة إطلاق قناة وثائقية مصرية حدث مهم يستحق الاحتفاء، ويُوجب تحيّة القائمين عليها، ومَن فكَّر وقرَّر ودعم هذا المسار، لأن أمَّةً بلا ذاكرة هى أُمّة تقف فى مهبّ الريح، وتتأثّر بسهولة بكل العوارض والضربات، بينما توثيق الوقائع وصيانة مُفردات المدوّنة الوطنية وامتلاك ذاكرة نشطة هى عناصر لازمة ولا غنى عنها لتحصين الفرد والأسرة والمجتمع، وامتلاك دولة كاملة العافية والفاعليّة، وقادرة على قراءة ماضيها والاستفادة منه، ومُراوغة حاضرها والاشتباك معه، والأهم أنها ستكون أكثر قدرةً على استشراف ما يليق بها وبأهلها من مُستقبل واعدٍ ومُشرق.