سمر مدكور
إلى هنا نستطيع أن نقيم كل تضحية من هؤلاء وفقا لحجمها، ودرجة أهميتها عند الشخص الذى قرر التضحية، بحيث نشكر من يضحى بالمال من أجل غيره، ونثنى على من يضحى بالمنصب، ونشيد بمن يضحى براحته وسعادته إلى آخر كل ذلك من أنواع التضحية المختلفة، التى تخضع للتقييم المتغير، وربما للرؤية النسبية التى تتفاوت عند كل شخص لآخر، لكن أن تكون التضحية محل النقاش هى تضحية بالروح فهنا يستحق الأمر وقفة طويلة مع الذات، كى نعرف إلى أى نوع بشرى ينتمى هؤلاء المضحون بأنفسهم وأرواحهم، وأى إرادة امتلكوا، وأى صفات ملائكية، وأى أخلاق، وأى شهامة ومروءة، وأى نوع فضيلة، وأى عظمة صاحبت وجود هؤلاء بيننا.
تحتفل مصر اليوم بيوم الشهيد، وأجدنى مضطرة للتجول فى ذاكرتى، واستعادة الأيام الخوالى، وواقع أعيشه للآن، حيث ولدت وعشت بين أشخاص "مشروع شهداء" داخل أسرتى الصغيرة تحت مسميات مختلفة، والحقيقة أننى لم أتخيل يوما فقد أحد هؤلاء الأعزاء، غير أن الأمر راودنى كثيرا، وكنت أقاوم ذلك الإحساس المخيف بالاستغفار والدعوة لهم أن يحفظهم الله ويرعاهم، لذا أتصور أننى عندما أكتب فى يوم الشهيد فإننى أكتب بأحاسيس مختلفة، بها الكثير من المشاعر الواقعية والصادقة، ولا أخفيكم سرا أن الكتابة أسهل كثيرا من كل شعور خوف عشته، ولا زال يطاردنى عند كل تفكير فى مصير أى من أعزائى الذين يعتبرون أنفسهم شهداء، ويخبرون أنفسهم ويخبروننى أنهم جاهزين للشهادة فى أى وقت.
يقينى أن كل نوم مطمئن، وكل تحرك آمن، وكل عيش فى سلام، دفع ثمنه أشخاصا اكتسبوا من صفات الملائكة أكثر من طباع البشر، يجعل هذا الوطن مدينا وبشكل دائم لهؤلاء العظماء، ولكل من ساهم وجودهم بيننا، ويجعل من يوم الشهيد لحظات متجددة تحمل الكثير من الامتنان والشكر والعرفان بالجميل، لمن جعلهم الله فداء لغيرهم، فمنحهم هذه المنزلة العظيمة، ومنحنا الحياة من فضلهم ومن أرواحهم ودمائهم.
لا يفوتنى حين أكتب فى يوم الشهيد أن أرسل قبلة احترام وتقدير وتبجيل على جبين كل أم شهيد وكل ذوى شهيد، وكل شخص فى حياته شهيدا تحت أى مسمى، فلكم الشكر جميعا على تقديم هؤلاء لنا، ولا يفوتنى أيضا أن أشكر السيد رئيس الجمهورية على مشاعره الصادقة فى حديثه عن الشهداء، بينما لا يفارق خاطرى أنه كان مرشحا للشهادة، بل أول الشهداء المطلوبين، فلم يمانع، ولم يخف، ولم يتراجع، وكان أمام طريقين، أحدهما العيش فى أمان ورغد العيش، كوزير مهم لوزارة سيادية، بينما يئن المواطن، وتضيع وتسرق هوية الوطن، وطريق ثان، أن يكون هو الشهيد الأول، فقدم روحه فداء لوطنه، واختار الحفاظ على هذا البلد وأهله، وواجه كل المخاطر، حتى استطاع اليوم أن يقف واثقا بالله، ثم بإيمان وعظمة أبنائه، معلنا نجاح البلاد فى القضاء على الإرهاب، فطوبى لكم جميعا، وطوبى لهذا الرجل المخلص، الذى نال الحياة، لأنه لم يحرص عليها على حساب وطنه وهويته، ونال النصر، لأنه يستحقه.