البث المباشر الراديو 9090
إلهامى سمير
إن البحث عن الهوية ما هو إلا عملية استكشاف والتزام وكما يقول الفيلسوف "بياجيه"، إن الاختبار المستمر للأفكار الجديدة وتحليلها وربطها بالمعرفة السابقة دليل عافية فكرية ونفسية يتميز به النمو الفكرى عند الإنسان على مدى الحياة ولا يتوقف عند مرحلة المراهقة.

من هنا يمكن أن تنفذ إلى قلب كتابات الراحل العظيم أسامة أنور عكاشة، الذى اتحفتنا الوثائقية بفيلم تسجيلى يرصد سيرته ومسيرته، لتدرك كيف أنه كان مهموما فى كتاباته بالبحث عن الهوية، وسط شخوص وأحداث أبدعها عميد الدراما التليفزيونية العربية للبحث عن إجابة تلخص دلالة الهوية الوطنية عبر ترجمة روح الانتماء لدى أبنائها، وما يمكن أن تحققه للوطن بشكل عام، من فوائد لا تحصى، أبرزها قوة النسيج الاجتماعى، الذى يصعب اختراقه.

من منطلق إحساسه العميق بالوطن وشغفه الشديد بهمومه ومشكلاته وسعيه نحو حلها كواجب أصيل ضمن واجباته الفنية، انشغل عكاشة بأسئلة تبحث عن ماهية الوطن وهويته، لدرجة أن تلك الأسئلة صارت بتتابع أعماله هى النواة التى تدور فى فلكها أفكاره وأطروحاته المختلفة التى صاغها فى أكثر من عمل درامى وسينمائى وحتى مسرحى.

ففى ملحمته الرائعة "ليالى الحلمية"، التى تعد أبرز أعمال الكاتب وأشهرها ستجد أن أحد أهم الأسباب التى أدت إلى تحقيقها لهذا النجاح الكبير، والذى يتكرر مع عرضها كل فترة، هو غوص أسامة أنور عكاشة فى الشخصية المصرية، ليرصد لنا من خلال النماذج التى قدمها والتى تنوعت بين أكثر من طبقة، تحولات دراماتيكية تطرأ من أن لأخر على الشخصيات، ما يدفعها إلى بؤرة الصراع القائم بالأساس بين طرفى المعادلة، العمدة سليمان غانم الذى يمثل القيم والثوابت، وسليم البدرى الرجل الذى ينحدر من أسرة أرستقراطية.

فى الجزء الأول من المسلسل ستجد أن الصراع يتلخص فى المنافسة الشرسة بين الثنائى سليمان وسليم ـ ولاحظ مدى تقارب الأسمين رغم تباعدهما على مستوى الرؤية ـ على الانتخابات، فيما يتفرع الصراع ليضم بين جنباته الفتوة الشهم زينهم السماحى، والخلوق توفيق البدرى ابن عم سليم البدرى، والفدائى طه السماحى إلى جانب سماسم العالمة زوجة المعلم طه السماحى.

ومن خلال تلك الشخوص يلخص لك أسامة أنور عكاشة تفاصيل وكواليس الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمصر فى الأربعينيات، كما يلخص لنا تفاصيل الصراع بين الباشوات والطبقة الفقيرة، وكذلك الظلم الواقع على الطبقة الكادحة وتمثلها شخصية "رقية" وكيف تسعى للتخلص من كافة ألوان الاضطهاد التى تعرضت لها. وفى هذا الجزء أيضا ستجد أن عكاشة مهموم بالبحث عن هوية مصرية تستند إلى الطبقات الدنيا لتقف فى وجه الظلم الواقع عليها بفضل التفرقة بين الطبقات الاجتماعية.

أما الجزء الثانى من المسلسل فقد تناول الحياة فى مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952، واختفاء الباشوات، وهنا ينتقل الصراع من اللعب بين الكبار بشكل صريح، لنراه فى الامتداد الطبيعى لكل منهما، حيث يبدأ الصراع بين على البدرى وشقيقه عادل نجلا سليم البدرى من جانب، وزهرة غانم ابنة سليمان غانم من جانب أخر، وفى هذا الجزء يركن عكاشة إلى الرومانسية بدرجة أكبر، فيطرح قصة حب تجمع بين على وزهرة، وهى القصة التى تواجه الكثير من العواصف والمطبات، كون بطليها من الأساس يقفان على طرفى نقيض. وبين شد وجذب وحب وكره ورومانسية تمزقها الواقعية، تمتد المحاور الرئيسية للصراع على مدار الأجزاء الثلاث التالية، والتى يتشكل فيها سؤال البحث عن الهوية بأكثر من صيغة وفقا للزمن الذى تنقل عكاشة بين ثناياه ببراعة شديدة لنراقب شخصياته وهى تتطور وكأنها من لحم ودم.

وقد اختار عكاشة حى الحلمية كرمز ونموذج مصغر للمجتمع المصرى بأكمله، حتى يترجم من خلاله التحولات التى طرأت على الحى وسكانه وسلوكياتهم، وكيف كان كل منهم يسعى إلى البحث عن أبجديات تتوافق مع العصور المختلفة التى يضعنا فيها الكاتب، وحتى الشخصية التى يقرر إنهائها، ستجد أن لها امتدادا يسعى لإكمال ما بدأته، وإن كان امتدادها يخوض صراعا أكبر كونه يتنقل بين المبادئ والقيم التى تربى عليها، ومتطلبات العصر الذى يعيشها.

وإذا تركنا الحلمية وانتقلنا إلى مسلسل أخر مثل "الرايا البيضاء" ستكتشف أن أسامة أنور عكاشة كان يدافع عن القيم، ونبه إلى انهيار الأخلاق وغياب الضمير، تماما كما نبه من خطورة سيطرة مظاهر القبح على الجمال من خلال شخصية فاطمة المعداوى التى يلخص فيها نظرته للطبقة التى غابت عنها الثقافة، والتى وجدت نفسها بعد "الانفتاح"، وبفضل أموالها تسيطر على مقدرات الأمور، ما يدفعها إلى هدم الثقافة والقيم ودهسها تحت عجلات سياراتها الفارهة.

كذلك نبه عكاشة إلى أن التعليم أحد الركائز التى يمكن التعويل عليها للبحث عن هوية الوطن والمساعدة على نهضته، ومن هنا قدم لنا نموذج أبلة حكمت، "الناظرة" حارسة القيم والمبادئ والقيم، والتى يمكن اعتبارها الشخصية المناقضة لشخصية فاطمة المعدواى، حيث يناقش من خلال "ضمير أبله حكمت" أهمية التعليم، ودوره ليس فقط بين جدران المدارس وإنما خارجها أيضا.

فى مسلسل "زيزينيا" أيضا ستتعرف وبسهولة على مسعى جديد نحو الهوية، وذلك من خلال شخصية بشر عامر عبد الظاهر، والذى خرج معه عكاشة ولأول مرة من إطار البطل الذى يتعاطف معه الجمهور، فقدم البطل الذى يضيف بعدا فلسفيا جديدا عن الوجود والهوية، وهو بعد جديد لم يكن الجمهور المصرى قد تعوده من قبل. كما ستجد أن أسامة يجسد فى المسلسل الصراع على أكثر من مستوى، أبرزها صراع بشر مع نفسه بين أصوله وتحضره المكتسب، فنصفه مصرى من ناحية الأب ونصفه الأخر إيطالى من ناحية الأم.

ولا ننسى "أرابيسك"، وبطله حسن ابن الحارة الشعبية، والأسطى المعجون بحب هذا الوطن والحامل لجينات النجاح والفشل بداخل ذاته المتقلبة، وكما جرى فى مسلسلات أخرى لعكاشة ستجد فى "أرابيسك" أبناء الحارة المتمسكين بتراثهم وثقافتهم، يواجهون الثقافات الأجنبية التى عايش أهلها المصريين وتفاعلوا معهم بقدر الحاجة والضرورة، فيتخلق صراع لا ينتهى بين علاقتهم بالإرث الفنى والحضارى المخزون بداخل أصاحب المهارات الفنية والجمالية من أهل الحرف والصنائع، وبين الحداثة بزحفها على كل ما هو قديم بحجة أنه لم يعد مناسب.

إن شخصية حسن أرابيسك من أكثر شخصيات أسامة أنور عكاشة تعقيدا، فهى تحمل روح الفنان المتمرد، وفى الوقت نفسه ينتمى لبيئة شعبية ويختلط بأصدقاء السوء، بينما يحمل قلبا رومانسيا يتمنى الحصول على قصة حب تساعده على التغير، فيتوه بين كل هذه التناقضات ويغيب فى عالم المخدرات عن الواقع.

وكما ناقش عكاشة فكرة الهوية فى مسلسلات أخرى منها "وقال البحر، ريش على مفيش، أنا وأنت وبابا فى المشمش، لما التعلب فات، عصفور النار، وما زال النيل يجرى، امرأة من زمن الحب، أميرة فى عابدين، كناريا وشركاه، عفاريت السيالة، أحلام فى البوابة، الحصار"، عمد إلى الأمر نفسه فى الأفلام التى كتبها، وأبرزها كتيبة الإعدام، الهجامة، تحت الصفر، دماء على الأسفلت، الطعم والسنارة، الأسكندرانى.

إن التعمق فى دراما أسامة أنور عكاشة تخبرنا أنه طور فى طريقة كتابة المسلسلات التلفزيونية، واستطاع أن يستخدم موهبته الروائية فى تحويل الدراما لروايات حية، يحث الجمهور من خلالها على اكتشاف الذات وتحديد الهوية، لإعادة تقييم الأشياء من حولنا، كما تخبرنا أنه صاحب مشروع فنى سياسى، قائم على تطوير النظريات الخاصة بالوطنية والهوية والحكم والديمقراطية، وربما لذلك كان الرجل فاعلًا مهما فى المجال العام على مدار سنوات طوال من خلال مسلسلاته المحفورة فى وجدان الجماهير.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز