إلهامى سمير
يبدو أن البعض ممن لا يعجبهم العجب ولا الصيام فى رجب قد وجد فى السؤال فرصة مناسبة للتأثير على الحالة التى خلقها المسلسل فى الفضاء الإلكتروني فانتهزوا الفرصة، ومع عرض الحلقة الأولى من العمل، التى أحدثت ضجة كبيرة، وراحوا ينسجون من السؤال القديم أسئلة جديدة.. لماذا العامية؟ هل تناسب تلك الفترة التى يتناولها العمل؟ لماذا لم يقدم المسلسل باللغة العربية حتى يفهمك الجمهور العربي كله؟ فيما أفتى أخرون بإن العامية كانت الحل الوحيد أمام ضعف الممثلين وعدم قدرتهم على الحديث باللغة العربية.
وهنا اسمحوا لى أن أتجاوز اتهام أن الممثلين لا يجيدون الحديث باللغة العربية لأن ما شاهدناه العام الماضى من خلال مسلسل "رسالة الإمام" ينفي ذلك جملة وتفصيلا.
ودعونى أخبركم أولا بإن العامية المصرية معروفة فى الوطن العربي كله، بفضل الفن المصري، بدليل أن كل العرب الذى يحضرون إلى مصر تجدهم يحدوثنك بها وإذا سألت أحدهم كيف تعلمتها؟ يرد ويقول من أعمال عادل إمام وأحمد زكي والنجوم فلان وفلان وفلانة.
ثم اسمحوا لى أن أخبركم ثانيا بإنه لا يوجد فى الفن كلمة "المفروض".. فأنا لا يصح أن أفرض على مبدع ملامح وتفاصيل إبداعه فأرسم له ما يصح وما لا يصح، بل أترك له المساحة كاملة يقدم ما يشاء، يهدم ما يشاء من قواعد ويعيد تشكيلها، يجرب ويعيد ويزيد، وفى النهاية نتناقش فى طرحه، وما قدمه وهل أحسن تقديمه وفقا للرؤية التى اعتمدها أم أصابها الخلل؟ أما أن أقول له "كان مفروض عليك أن تقدم الشكل الفلاني أو الطرح العلاني" فهذا فرض وجبر لا يقبله أى مبدع.
ولندخل فى صلب الموضوع، هل أجرم عبدالرحيم كمال، الذى يجيد تطويع اللغة حين استخدم العامية فى العمل التاريخي؟ الإجابة القاطعة لا، وأنا شخصيا متفق مع هذا الطرح وقبل أن أقولك لك لماذا، دعني أخبرك للمرة الثانية أن ما جاء به صناع الحشاشين ليس بدعة، ففى مصر على سبيل المثال قدم يوسف شاهين رائعة "الناصر صلاح الدين" بمزيج مدهش بين العامية واللغة العربية، بتوقيع كبار الكتاب نجيب ومحفوظ ويوسف السباعي وعبدالرحمن الشرقاوي، ومع ذلك لم يتهمهم أحد بإنهم أقحموا العامية أو جاءوا على اللغة العربية.
وإذا تابعت الأعمال التركية ستجد أنها فعلت الأمر نفسه فى أكثر من مسلسل، فى إطار توجهها لفرض سياساتها وقوتها الناعمة ولم نسمع من يتهمهم أو يزايد عليهم، كوريا فرضت نفسها بلغتها ولهجاتها ووصلت إلى العالمية وحصدت الأوسكار، وأنا شخصيا شاهدت ضمن عروض المهرجان الدولي للمسرح التجريبي المقام فى مصر عروض تتناول أعمال الكاتب الإنجليزي الشهير وليم شكسبير بهلجات تونسية ومغربية ويونانية ورابعة من نيجريا، ولم أسمع وقتها من يزايد أو يتهمهم بإنهم تجنوا على شكسبير أو من يمسك بالمكيرفون ويصيح "يا جماعة كان لازم تقدموا العروض دي باللغة الإنجليزية"، حتى نحن فى مصر تناولنا أعمال شكسبير بأكثر من لهجة، شاهدته فلاحا وصعيديا بل وقدمه شباب طموح فى مسرحية بعنوان "شكسبير فى السبتية" وأظن أن اسم المسرحية لا يحتاج لتفسير.
ما فعله صناع "الحشاشين" أنهم رفضوا تخصيص الجمهور وأن يكون العمل على أهميته واقفا عند أبواب المثقفين أو العالمين بتلك النوعية من القضايا التى يتناولها العمل، أو محبي اللغة العربية وحدهم ومن يتلقاها بسهولة، فسعي إلى تقريب التجربة إلى أكبر قطاع ممكن حتى يتحقق الغرض ويصل إلى الجميع.
ما فعله صناع "الحشاشين" أنهم طرقوا باللهجة العامية المستخدمة أبواب الكل، المثقف والعارف والذى لا يعرف ويطمح أن يعرف، من أنهى تعلميه ومن جمع منه القليل، من يسكن فى الكومباوند ومن يعيش فى الحواري، طرقوا أبواب الكبار، ومعهم الشباب الذى يمثل القطاع الأكبر من الجمهور، والذى تجذبه العامية أكبر من اللغة العربية نفسها، وكانت المفاجأة أن الجميع تلقى العمل وهضمه دون عناء.
ما فعله صناع "الحشاشين" أنهم قدموا لنا تجربة عالمية حققت صدي واسع وجدل أوسع وهو نجاح ولا شك، فقد تعودنا وتعلمنا أن العمل الفنى الذى يحرك الساكن ويحدث الجدل هو ناجح بالأساس، ولذا فلا يصح أن نترك كل هذه الإشادات المحلية والعربية، ونقف عند حد اللغة أو اللهجة التى استخدمها العمل، "لما منلاقيش فى الورد عيب ممكن نسيبه فى حاله مش لازم نقوله يا أحمر الخدين".