الدكتور يوسف عامر
بالعودة إلى البعد الديني نجد أن هناك مجتمعات ذكرها القرآن الكريم وضربت أروع الأمثلة في الحفاظ على بلادها من أجل الاستقرار:
يقول الله تعالى: "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ".
مثالٌ عظيمٌ للإيجابية ذكَرَهُ اللهُ تعالى لنا عن "نملةٍ" علِمَتْ بمُرورِ جيشِ سيدِنا سُليمانَ عليه السلامُ؛ فنادَتْ كُلَّ النملِ أنْ يَدخلُوا مساكنَهُم حتى لا يُحطّمَهُم هذا الجيشُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
هذا مثالٌ واضح على وجوب المشاركةِ الإيجابيَّةِ.. النملةُ اهتمتْ بشأنِ مجتمعِ النملِ كلِّهِ.. وقامتْ تجاهه بدَورِهَا الإيجابي الفعَّالِ.. ولم تَنْجُ بنفسِهَا فقَطْ.
(2)
مثالٌ عظيمٌ ذلكَ الذي ذكَرَهُ اللهُ تعالى لنا في القرآن الكريمِ عن "الهدهدِ" الذي وقَفَ على أمرِ مملكةٍ كبيرٍ مُلكُها.. عظيمٍ شأنُها.. لكنَّها مجتمعٌ ضَلَّ الطريقَ.. فأبلَغَ الهدهدُ نبيَّ الله سيدَنا سليمانَ بشأنِهِم لِيقومَ بدَورِهِ في هدايتِهِم.. إنه مثالٌ واضحٌ على المشاركةِ الإيجابيةِ.. كانَ مِن الممكنِ أنْ يعودَ الهدهدُ سَريعًا دونَ تَفقّدِ أحوالِ المملكةِ حتى لا يَتعرّضَ لغضَبِ نبيِّ الله سيدِنا سليمانَ عليه السلامُ.. إِلَّا أنهُ آثَرَ أن يكون إيجابيًّا مؤديّا لعمله وواجبه تجاه المجتمعِ.
(3)
خلَقَ اللهُ سبحانه وتعالى الإنسانَ خليفةً له في أرضِهِ، قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، وهذا شرَفٌ عظيمٌ ومسئوليَّةٌ كُبرَى... مُعلّقَةٌ بكلِّ فردٍ مِن بَني الإنسانِ... كُلٌّ لهُ دورٌ في صناعة الحضارة وخلافَةِ الأرضِ... وفي عِمارتِهَا، قال تعالى: "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا"، والإنسانُ كائنٌ مَدَنيٌّ بطبعِهِ، وهذا كلُّهُ يَتطلبُ أنْ يكونَ الإنسانُ مُشاركًا فَعَّالًا إيجابيًّا.
(4)
المشاركةُ الإيجابيّةُ لا تكونُ على الوجهِ الأكملِ إِلَّا مِن شخصٍ أمِينٍ... وقد ذكَرَ اللهُ سبحانه وتعالى المؤمنِينَ مُبيّنًا أخصَّ صِفاتِهِم فقالَ سبحانه: "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ" فالمؤمنُ أمينٌ يُراعي الأمانَةَ ويَحرسُها ويَصونُها.. كما أنَّهُ مُهتمٌّ بأمرِ الشهادَةِ يُؤدّيها على أكملِ وجهٍ وأعدلِهِ.
(5)
مِن الإيجابيَّةِ في خِلافةِ الأرضِ وعمارتِها، ومِن رعايةِ الأمانةِ والقيامِ بالشهادَةِ على أتمِّ وجهٍ أنْ يهتمَّ الإنسانُ بشئونِ وطنِهِ العامَّةِ.. فهذا دَورُهُ في الخلافةِ والعمارةِ وصناعة الحضارة.. فيشاركَ في اختيار مَن يَراهُ مُصلحًا نافعًا أمينًا... هذه المشاركةُ أداءٌ لأمانَةِ صوتِهِ.. وقيامٌ بشهادَةٍ سَيُسألُ عنها يومَ القيامةِ..
يقول الله تعالى: "وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ"
(6)
القيامُ بشهادةِ وأمانةِ الاختيار يَتطلّبانِ أنْ يكونَ الإنسانُ واعيًا بواقعِهِ.. مُدركًا لَه.. عارفًا بقَضايَاهِ.. واقفًا على مخاطرِهِ وتحدياتِهِ.. وهذا ما قد جاءَ به أنبياءُ اللهِ تعالى ورُسُلُهُ الكرامُ عليهمُ السلامُ فقَد رَوَى ابْنُ حِبَّانَ في صحيحِهِ أنَّهُ مِمَّا كانَ في صُحُفِ سيدِنَا إبراهيمَ عليه السلامِ: "وعلى العاقلِ أنْ يكونَ بصيرًا بزمانِهِ مُقبلًا على شأنِهِ".. والعاقلُ البصيرُ بزمانِهِ لا بُدَّ مِن أنْ يكونَ مشاركًا إيجابيًّا فيه..
(7)
يجب على الإنسان أنْ لا يكونَ سَلبيًّا متأثرًا بكلِّ مُفسدٍ الذي يقولُ فيه سيدُنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقولُونَ: إِنْ أَحسَنَ النَّاسُ أَحسَنَّا، وإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، ولكِنْ وَطِّنُوا أَنفُسَكُم إِنْ أحسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحسِنُوا، وإِنْ أَساءُوا فَلا تَظلِمُوا" [رواه الترمذي].
و"الإِمَّعَةُ"، هو الذي يقولُ لكلِّ أحَدٍ: أنَا مَعَك؛ أي هو الشخصُ الذي ليسَ له رأيٌ ثابتٌ يَرجعُ إليه، بل هو يتبعُ كلَّ ناعقٍ.