الدكتور يوسف عامر
حقيقةُ الحياءِ تقتضي حفظَ الرأسِ وما كان الرأسُ وعاءً له من الحواسِّ الظاهرةِ والباطنةِ مِن كلِّ المضارِّ الحسيَّةِ والمعنويَّةِ، فكما يصونُ المرءُ سمعَهُ وبصرَهُ ولسانَهُ ممَّا يُمرضُها، يصونُها أيضا عن رذائلِ الأخلاقِ، فلا ينطقُ إِلَّا بخيرٍ، ولا يُصغِي إلى الأباطيلِ والشواغلِ، ويَغضُّ بصرَهُ عن المحرماتِ.
وكذلك هو مأمورٌ بحفظِ البطنِ مِن كلِّ المضارِّ الحسيَّةِ والمعنويَّةِ، فلا يَطعمُ شيئًا مِن المحرماتِ أو ما فيه شبهةٌ، ولا يُسرفُ في المباحاتِ، وعلى البطنِ تدورُ بقيةُ الأعضاءِ مِن القلبِ والفَرجِ والجوارحِ، وهذا داخلٌ في قولِه صلى الله عليه وسلم: (وما حوَى)، كما يدخلُ فيه المعنوياتُ أيضًا، والحييُّ يحفظُ نِعمَ الله تعالى عليهِ من الأذَى الحسيِّ، ومن التلوثِ بأدرانِ الوساوسِ والأخلاقِ المذمومةِ، كما أنه يحفظُ ما أودعَهُ اللهُ تعالى قلبَهُ مِن المعارفِ والعلومِ بتنميتِهَا والعملِ بها حتى لا تبقَى معلوماتٍ لا أثرَ لها في القلبِ والعَملِ، يقول الصالحونَ: العِلمُ الأكبرُ الهيبةُ والحياءُ، فإذا ذهبتِ الهيبةُ والحياءُ لم يبْقَ فيهِ خيرٌ.
ويُعينُ على هذا تَذكّرُ الموتِ، وعدمُ الركونِ إلى الدنيَا، وليس المؤمنُ مأمورًا بتركِ الدنيا بالكليَّةِ، ولكنَّه بعدمِ الانشغالِ بها عنِ الله تعالى.
وقد سُئلَ الجنيدُ عن الحياءِ فقالَ: رؤيةُ الآلاءِ ورؤيةُ التقصيرُ، فيتوّلدُ مِن بينِهما حالةٌ تُسمَّى الحياءَ. أي: يكونُ المؤمن غيرَ محجوبٍ بالنّعَمِ عن المنعِمِ بها، ويكونُ مراقبًا له مستشعرًا بتقصيرِهِ في حقِّه، فهو يعبدُ اللهَ تعالى كأنَّه يراهُ، وآياتُ القرآنِ الكريمِ تُحيي في النفوسِ هذا المعنى الشريفَ: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}.
والحياءُ بهذا تدورُ عليه سائرُ حياةِ المرءِ، ولذا كانَ أحدَ شُعبِ الإيمانِ، قال صلى الله عليه وسلم: "والحياءُ شعبةٌ مِن الإيمانِ" [متفق عليه]، وقد مرَّ صلى الله عليه وسلم على رجلٍ مِن الأنصارِ وهو يَعظُ أخاهُ في الحياءِ [يُعاتبُه على شدّةِ حيائِهِ]، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "دَعهُ فإنَّ الحياءَ من الإيمانِ" [متفق عليه]، وقال صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: "الحياءُ لا يأتي إِلَّا بخيرٍ" [متفق عليه]، وقال أيضا: "الحياءُ خيرٌ كلُّه" [مسلم].
ولِعظَمِ منزلةِ الحياءِ توارثَ الناسُ بعضَ ما قالَهُ فيهِ الأنبياءُ عليهم السلام، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ ممَّا أدركَ الناسُ مِن كلامِ النبوةِ الأُولَى، إذا لم تَستحِي فَاصنعْ ما شئتَ"، وهذا يحتملُ معنييْنِ، فقد يكونُ هذا مِن بابِ التهديدِ، والمعنى إذا لم يكنْ عندَكَ حياءٌ يمنعُك مِن فعلِ القبيحِ فافعلْ ما بدَا لك فإنَّكَ معاقبٌ به. وقد يكونُ هذا من بابِ الإباحةِ، والمعنى إذا كان الأمرُ الذي تريدُ فِعلُه ممَّا لا يُعابُ ولا يُذمُّ فمباحٌ لك فِعلُهُ.