البث المباشر الراديو 9090
الدكتور يوسف عامر
لا يُمارِي أحدٌ في أنَّ حبَّ الوطنِ فطرةٌ فطَرَ اللهُ النفوسَ عليها، ولا يَتنكّرُ لوطنِهِ إِلَّا ذَوُو النفوسِ المعوجّةِ التي حادَتْ عن الفطرةِ السليمةِ، وأحكامُ الشرعِ الشريفِ تتفقُ مع الفطرةِ الصحيحَةِ، وكيفَ لا ومُنزلُ الشرعِ هو مَن فطَرَ النفوسَ؟!

وما جاءَ الشرعُ الشريفُ بحفظِهِ مِن الدِّينِ، والنفوسِ، والعقولِ، والأنسالِ والأعراضِ، والأموالِ عامِّها وخاصِّها، كلُّ هذا يثمرُ حفظًا للأوطان، كما أنَّ حفظَ الأوطانِ به تُحفظُ هذه المقاصدُ العُليا التي جاءَ الشرعُ مُراعيًا لها وآمرًا بحفظِهَا، ومِن هنا تَعيَّنَ على الإنسانِ أنْ يعرفَ كيفَ يحفظُ وطنَهُ؟

ولا شكَّ، بِناءً على ما سبقَتِ الإشارةُ إليهِ، أنَّ حفظَ الوطنِ يَتطلبُ الحفاظَ على المالِ العامِّ ومرافقِ الدولةِ ومُقدّارتِهَا، وهيَ كلُّها مملوكةٌ ملكيةً شائعةً لسائرِ أبناءِ الوطنِ، وهذا يَقتضِي أنْ تُنمَّى بحيثُ تستمرُّ للأجيالِ القادمَةِ التي لها حقٌّ مماثلٌ في الوطنِ كحقوقِنَا الآنَ، ومِن هنا تَتحتمُ تنميةُ مواردِ الوطنِ لضمانِ حياةٍ مستقرةٍ ومزدهرةٍ للأجيالِ القادمةِ.

والتنميةُ في المفهومِ الإسلاميِّ داخلةٌ في «عمارةِ الأرضِ» التي أرادَهَا اللهُ تعالى مِن خلقِهِ، يقول الله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة: هو، الآية: 61]، وإذا ضاقَ مفهومُ التنميةِ فاقتصَرَ على الجانبِ الحسّيِّ في بعضِ الأذهانِ، فإنَّ مفهومَ العمارةِ في الإسلامِ واسعُ المدلولِ بحيثُ يشملُ كلَّ نفعٍ ماديٍّ أو معنويٍّ، فمِن عمارةِ الأرض الحفاظُ على العقولِ ممَّا يُلوثُها فكريًّا أو يُغيّبُها حسيًّا، والحفاظُ على الأعراضِ والكراماتِ مما يُدنسُها حسيًّا أو يَضيرُها معنويًّا.

كما أنَّ مفهومَ العمارةِ غيرُ قاصرٍ على ثُلَّةٍ [جماعةٍ] دونَ غيرِهِم، بل يشتركُ فيه كُلّ أفرادِ الوطنِ: الفلاحُ في حَقلِهِ، والعالِمُ في مَعملِهِ، والأستاذُ في قاعةِ الدرسِ، والعاملُ في مصنعِهِ، وكلُّ مُشتغلٍ بعملٍ مِن شأنِهِ نفعُ الناسِ أو دفعُ الضرِّ عنهم.

وبِناءً على هذا المفهومِ الإسلاميِّ المتسعِ فإنَّ كلَّ واحدٍ مِن أولئكَ (الفلاح، والعالم، والأستاذ، والعامل،...) وغيرِهِم مِن أبناءِ الوطنِ، أقولُ: كلُّ واحدٍ منهم جنديٌّ يقومُ بواجبِهِ في الحفاظِ على الوطنِ كالجُنديِّ المدافعِ عن حدودِ وطنِهِ، وتقصيرُ أيٍّ منهم في واجبِهِ تقصيرٌ منه في حقِّ وطنِهِ...، وهو تقصيرٌ فيما أمَرَ الشرعُ بحفظِهِ ورعايتِهِ.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز