البث المباشر الراديو 9090
النائب يوسف عامر
قال اللهُ سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36].

افتتُحتِ الآيةُ الكريمةُ بالأمرِ بعبادةِ اللهِ تعالى وعدمِ الإشراكِ به سبحانه {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ}، وهي القضيةُ الأولىَ التي عليها يَنبي ما وراءَهَا من قضايا ومسائلِ هذا الدينِ الحنيفِ.

والموحِّدُ يعرفُ أنَّ كلَّ ما سوى الله تعالى حادِثٌ [مخلوق]، وأنَّ كلَّ حادثٍ لا بدَّ له مِن مُحدِث [خالق] أوجدَه، وهذا الخالقُ تجزمُ العقولُ السليمةُ باستحالةِ أنْ يكونَ هو أيضًا حادثًا، وإِلا لزِمَ أن يكونَ له خالقٌ، ويكون لِمَن خلقَهُ خالق، وهكذا يتسلسلُ الأمرُ ولا ينتهي، والعقولُ السليمةُ تجزمُ بأنَّ التسلسلَ باطلٌ، وأنَّ الإنسانَ لا يَقِفُ معه على حقيقةٍ ثابتةٍ، وأنَّه لا بدَّ مِن أنْ تقفَ سلسلةُ الخلقِ عندَ خالقٍ غيرِ مخلوق، بل هو خالقُ كلِّ مَا سواه.

هو سبحانه الذي أمدَّ كلَّ مَن سواهُ ومَا سواهُ بالوجود، فالحادثاتُ كلُّها استمدتْ وجودَها منه تعالى، فوجودُها منه سبحانه، وهو الذي حفِظَ عليها هذا الوجودَ، فوجودُها به سبحانه، ولو قطَعَ اللهُ تعالى إمدادَهُ عن الحادثاتِ لهلكتْ، فهي في وجودِها وبقائِها مفتقرةٌ إليه سبحانه وهو الغنيُّ عنها، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38].

ولذا وصفَ اللهُ تعالى نفسَهُ لخَلقِهِ بأنَّهُ «القيوم» فقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، وقال: {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1، 2]، وقال: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111]، و«القيوم» صفةٌ تدلُّ بصيغتِها على المبالغةِ في القيامِ بالأمرِ، تقول: فلان قائمٌ بأمرِ كذَا؛ أي: هو مدبرٌ شأنَهُ والمعتني به، واللهُ سبحانه وتعالى هو الذي خلَقَ المخلوقاتِ، وهو المدبرُ لشئونِهم، الحافظُ لهم، المتفردُ برزقِهم ورعايتِهم، ولولاه سبحانه ما كان لهم وجودٌ، ولا استمرَّ لوجودِهِم بقاءٌ.

و«القيومية» صفةٌ لازمةٌ للألوهيَّةِ، وهل يُتصوّرُ إلهٌ لا يَتصفُ بالقيوميةِ؟! ولذا نجد الأمرَ بالعبادةِ جاءَ عقِبَ بيان أنه لا إله إلا هو سبحانه، {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام: 102]، {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وكذلكَ يأتي الأمرُ بالعبادةِ بعدَ وصفِ اللهِ تعالى بالربوبيَّةِ [ومعناها تدبيرُ شئونِ الخلقِ وتربيتُهم والإنعامُ عليهم وإصلاحُ أحوالِهم]، والربوبيةُ تقتضي القيوميةَ أيضًا، {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} [آل عمران: 51]، {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} [يونس: 3]، {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} [مريم: 36]، {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} [مريم: 65]، {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]..

وإذا علِمَ الخلقُ هذا لم تتعلقْ آمالُهُم بغيرِهِ سبحانه فَضْلًا عن أن يشركوا به سبحانه! وكيفَ تتعلقُ الآمالُ بمخلوقٍ هو في نفسِه مُفتقرٌ إلى مَن يُمدُّهُ بالوجودِ، ومَن يمدُّه بمقوماتِ البقاءِ، ويحفظُ عليه حياتَه؟!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز