البث المباشر الراديو 9090
د. علي عبد الراضي
قالوا قديمًا "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر"؛ وذلك لمدى رسوخ أثره في المُتعلم، وأيضًا ثبات نواتج التعلم، وتعميمها في مستقبله الحياتي.

وأيضًا من جهة أخرى، فالنقش على الحجر، ليس موضوعًا سهلًا، ولا أريحيًا؛ بل هو بالغ التعقيد، ويحتاج إلى جهد مُضني ووقت كافي حتى يؤتي ثماره.

التعليم الأكاديمي، على سبيل المثال، يحتاج إلى مُعينات ووسائل كثيرة، ذلك لأن سيكولوجية الطفل، وعقليته، وطريقة تفكيره، تكون في طور التشكيل بهذه المرحلة؛ بل وتتشكل أيضًا، وفق مُعطياتها، والمدخلات، وتأثيرات البيئة، بل وطريقة تفكير الوالدين، والأقران، واتجاهات الوالدين نحو تنشئة هذا الطفل.

للمدرسة ودور العبادة موقع مؤثر في هذه التنشئة؛ ومن هنا جاء أمر جميع الأديان السماوية بضرورة غرس قيم الأخلاق، والسلوك القويم، ومعاملة الغير، في نفوس الأطفال، منذ الصغر.

وقد أولى العلماء التربويون والنفسيون، هذا الأمر، أهمية كبيرة؛ فنجد أن المناهج الدراسية تمتلئ بموضوعات تبث الأخلاق والسلوكيات الحسنة في نفوس الأطفال، وتعودهم على المُعاملة الطيبة في ما يواجهون من المواقف كافة. وقد حثنا الله، سبحانه وتعالى، على ذلك؛ فنجد أننا ما إن نمر بسورة في القرآن الكريم، إلا ونجدها تحضنا على عبادة الله متبوعة بفائدة أخلاقية عظيمة، تعود على العابد بالخير في نفسه، وفي من حوله.

مثلًا، حينما شرع الله الصلاة، والتي هي أعلى العبادات، وأكثرها ممارسة فهي تمارس خمس مرات في اليوم والليلة، نجد أن الله يقول فيها: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، ثم يتبعها رب العالمين بقوله "ولذكر الله أكبر"، هنا يتجلى لنا بوضوح ما للصلاة من أثر في إكساب الفرد أخلاقيات كثيرة وعديدة، بمُجرد ممارسته لها.

إذا أضفنا لما سبق، طريقة الوالدين في تنشئة الطفل، ودور المدرسة في غرس قيم البعد عن الأخلاق الذميمة، والتحلي بالأخلاق الحميدة، تكتمل الصورة، ونُصبح هنا أمام نظرية جديدة جدًا في الأخلاق، وهي "الأخلاق المُستدامة"، والتي تستقر في النفس، وتتحول إلى سلوك يتعامل به الطفل مع من حوله، ومن ثم يُكسبه لغيره على مسار حياته، وهو شيء يجب أن نتبناه جميعًا، ونسعى له بكل قوتنا، بأن نجعل الأخلاق والسلوكيات الحسنة مُستدامة.

نأتي إلى عبادة ثانية، مثل الحج فيقول رب العزة "فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج"، والرفث هو الكلام القبيح، والفسوق هو التعدي ومجاوزة الحد في سوء الخلق، وأيضًا في آية أخرى يقول تعالى "خُذ من أموالهم صدقة لتطهرهم وتزكيهم بها" فهنا كانت الزكاة والصدقة؛ تطهيرًا لأخلاق فاعلها، وتزكية له من كل سلوك سيئ أو رديء، لا يرضى عنه الله أو المجتمع، والعرف السائد فيه.

يقول الرسول الكريم، صل الله عليه وسلم، في الحديث الشريف: "إن كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب وإن شاتمه أحد أو جاهله فليقل إني صائم"، وفي حديث آخر "من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه أو شرابه".

وهكذا نجد أن العبادة ما شُرِعت إلا لتعليم الناس جميعًا الأخلاق بل واستدامة هذه الأخلاق أيضًا لدرجة أن الخلق الحسن يجعل صاحبه في أرقى مكان في الجنة، بل ويبلغ درجات العباد الزهاد، كما روي في الحديث الشريف "إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم بالنهار القائم بالليل"، ذلك لأنه بحسن خلقه قد حصل فائدة عظيمة تصل به لأن يحصل على ثواب هذه العبادات دون أن يؤديها.

في النهاية يجب أن نقف جميعًا مُتكاتفين؛ من أجل مصلحة أبنائنا، ومن أجل مصلحة شعبنا "حكومة، وأفراد، وإعلام" بكل فئاتنا، كُلٌ في مكانه وتخصصه، لتقديم سلسلة من الأخلاقيات، نُركز على إكسابها لأطفالنا، مجموعة من الأخلاقيات؛ فنجد أن الطفل حينما يذهب إلى مدرسته في طابور الصباح يتم تمهيد هذا الخلق، وفي الحصة الأولى يتحدث معه معلمه في هذا الخلق، ومن ثمَّ إذا ذهب إلى دار العبادة، وجدهم يتحدثون عن هذا الخلق، فإذا فتح التلفاز أو ذهب مع أسرته إلى السينما، أو المسرح وجد قيمة فنية تتحدث عن هذا الخلق، فيعمل الكل في تناغم مُجتمعي عميق يشبه الأوركسترا الأخلاقي المجتمعي، لنجني جميعًا "حكومة، وشعب، ومجتمع محلي وعالمي" ثمار هذه الأخلاق النبيلة.

لكل إنسان، أقول "أنت لا تعيش وحدك كما أنك تمتلك كيانًا ذاتيًا داخليًا مكون من أفكار وأخلاقيات، وسمات حاول أن تخرج من نفسك كلَّ حسن وكلَّ جميل. عامِلْ الناس معاملة راقية حسنة، أخرِج أجمل ما فيك، تألق بمهاراتك، وإنجازاتك، ابتعد عن السوء وأهل السوء، ابتعد عن كل قبيح، واجعل من نفسك أيقونة أخلاقية لكل من حولك، اجعل من نفسك بذرة "الأخلاق المُستدامة".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز