البث المباشر الراديو 9090
د. علي عبد الراضي
التعرض للأزمات والألم في الحياة شيء طبيعي. ليس هناك حياة دون مصائب وكوارث، دون نجاح وفشل، دون التقاء وفراق، هكذا تكون الحياة.

هذه الأمور يختلف الناس فيما بينهم من حيث قدرتهم على تقبل الواقع المؤلم، والفشل المتوالي؛ فمنهم من يظل حبيس هذا الواقع، وتتوقف حياته عند هذه الصدمة، ومن هنا تبدأ معاناته النفسية، والتي تؤثر ببالغية على شخصيته وصحته النفسية.

بينما هناك من يتخذ من هذه المواقف الصعبة نقطة لـ الانطلاق، ومصدرًا لقوته ووقودًا لطاقته، ويبدأ في التحليق بسماء أفكاره؛ للوصول إلى الطريقة المُثلى لتخطي ذلك الواقع الصادم، وعبوره إلى آفاق ما بعده حتى لا يستمر طويلًا في ذلك النفق المظلم، الذي أودت الحياة به إليه.

هُنا نعود إلى السؤال المُهم، ما الذي يدفع هذا نحو الهاوية والسقوط في براثن الصدمة ويأخذ الآخر إلى تخطي هذا الأمر؟!..

وهُنا نلجأ إلى مثال حتى تتضح لنا الصورة؛ إذا اشترى أحد تحفة زجاجية ذات قيمة فنية ومالية كبيرة للغاية، فإذا كان حريصًا عليها، ويحفظها من أي يد تمتد إليها، وقد غاب عنه أنها من الممكن أن تتعرض للكسر، فإذا حدث وانكسرت سيتألم أشد الألم، ويتأزم ولا يستطيع أن يتخطى صدمته، أما إذا كان يتوقع من داخله أنها قابلة للكسر، وأنها من الممكن أن تنكسر في أي وقت ستكون الصدمة عليه هينة، وربما مرت مرور الكرام، وبقليل من الوقت نجده يتخطى الأمر ويتجاوزه، ويكمل مسيرته دون أي تأثير يُذكر.

صدقني، من الصعب أن نعرف الحكمة من أفعال الله في العباد، فنحن لسنا أنبياء نحن بشر عاديين، لذا فنحن لا نعرف حكمة الله من أفعاله، والتي من المُمكن أن تظهر لنا بعد وقت طويل من مرورنا بالخبرات المؤلمة في حياتنا أو حتى لا نعرفها على مدار حياتنا وحتى نهاية أعمارنا.

وهُنا نعوِّل على مقياس مضمون، وهو صفات الله سبحانه وتعالى، والتي تأبى أن تؤذي عبد من عباده، فكيف يخبرنا بأن رحمته وسعت كل شيء، ثم نظن أنه ينتقم منا لأننا فعلنا كذا أو كذا، فرُبما كان يريد منك التوبة والرجوع إليه لتكون من أهل رضاه ومحبته، ورُبما كان يُريد أن يُخفف عنك من سيئاتك الكثيرة بهذا البلاء من أجل أن يدخلك في رحمته، ودار محبته، ورُبما ورُبما..

هكذا في ظل صفات الله تعالى، تبدأ تُفكر فيما أنت فيه، هل كان خرق سفينة المساكين عملًا في ظاهره حسنًا؟!.. لا.. بل اعترض عليه نبي الله موسى، واحتاج في النهاية إلى التوضيح، ومعرفة الحكمة، ولكن تُرى هل علم المساكين أصحاب السفينة هذه الحكمة؟! أم عاشوا في حزن واكتئاب وصدمة كبيرة مما حدث؟! أم قاموا بإصلاح السفينة ثم قاموا بالاستمرار في حياتهم العملية دون توقف؟! نحن لا ندري وسنختلف في وجهة نظرنا عنهم، ذلك لأنهم لم يعرفوا الحكمة من خرق سفينتهم، وأنها كانت في شكل صورة من رحمة الله بهم في أنه لم يكن يخرق السفينة بل كان الله يصلح لهم حياتهم ومشروعهم، وهكذا نحن لا نعرف الحكمة من خرق حياتنا، وقلبها رأسًا على عقب.

ظاهر الأمر، أنه مصيبة عظيمة وبلاء، ليس له انفراجه، وضيق ليس منه مخرج، وكدر، ونكد، لكن ما أدراك بحكمة الله الذي فطرك وصنعك وصاغك في أبهى صورة، وهو الذي يعرف ما يصلحك، وما يفسدك، وهو الذي يعرف ما يقربك إليه، وما يبعدك عن رحمته.

غلب صفات الله سبحانه وتعالى على طريقة تفكيرك المحدودة، امضي في حياتك وكأن شيئًا لم يحدث، لكن تقرب أكثر إلى الله، حافظ على فروضك وأذكارك وأورادك، تصدق، واعتمر، وحج بيت الله، وغير من طريقة تعاملك مع خلق الله إلى الأفضل والأحسن، كُن راقيًا في كل تصرفاتك، أشرق بالنور فإن النور لا يظهر إلا من شقوق قلبك المكسور، كُن مع الله بصفاته الجميلة الجليلة، وابتعد عن صفاتك الدنيئة، وضعفك الإنساني اللا محدود.

كُن مع الله يكن الله معك.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز