د. علي عبد الراضي
الطيبون يا سادة، هم أناس جعلهم الله فينا ليكشفوا لنا ما سترناه في قلوبنا عن أعين الناس من خبث نوايانا، والطمع بما ليس لنا وحب السيطرة على كل شيء، والوصولية، والأنانية، وعدم التورع في استخدام الوسائل كافة؛ للحصول على ما نريد دون النظر في حرام أو حلال.
إن لهذا الكون خالقًا عظيمًا حكيمًا يدبر أمره، ويعلم ما يُصلحه وما يُفسده، ولا يستطيع أي من كان أن يتدخل في قدرته، أو أن يفعل شيئًا على غير مراده، لكن السادة "خبثاء النوايا" راحوا يحيكون المؤامرات، ويدبرون المصائب، ويديرون الكون وفق هواهم، ظنًا منهم أنهم أصحاب عقول عظيمة وذكاء مفرط! ظنوا أنهم دواهي عصرهم، وأذكياء أوانهم، ونسوا مُدبر هذا الكون، نسوا أنهم لن يستطيعوا أن يضروا أحدًا، أو حتى ينفعوه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، ولو حشدوا كل قوى الشر؛ لن يستطيعوا ولن ينجحوا، هؤلاء نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
أما الطيبون فقد تركوا الأمر كله لله، راضين بفعل الله، ومتوافقين مع مراده على ما يوافق شرعه ومنهجه، تركوا وراءهم الخُبث، والنذالة والدناءة، تخلوا عن التدبير حتى لو كان لأنفسهم؛ فهم لا يدبرون حتى أمرهم، فهم يعرفون أن الله أولى بهم من أنفسهم، عرفوا الله فوثقوا في حكمته، وسلموا أمرهم لله ثقة منهم في تدبيره وحكمته.
مخطئ من ظن أن عبقريته أزاحت فلانًا من منصبه، أو رفعت فلانا إلى مكانة أعلى، أو حمته من خطر فلان عليه، أو أنه استطاع أن يوقع فلانًا في شر أعماله.
يا سادة توبوا إلى الله، وعودا إليه، اتركوا الأمر إليه صدقوني أنتم لستم آلهة؛ حتى تقيِّموا هذا، وتقعدوا ذاك، أنتم عبيد؛ بل أنتم شر العبيد!
الطيبون، أصحاب نفوس هادئة، وطباع خلابة، ويحبون التأمل في أحوالهم وأحوال من حولهم، يتلهفون لمساعدة الناس في مصائبهم، وتجدهم يتحدثون عن المحنة وكأنها منحة، وعن المصيبة وكأنها قربة إلى الله، تجدهم يتحدثون عن حكمة الله ليهدِّئوا من روع الخائفين، ويمسحوا على قلوب المصابين، ويبثوا فيهم الأمل ويبعدوهم عن اليأس من رحمة الله.
الطيبون، لا يتركون الناس في مصائبهم، ولا يناصبوهم الخصام لأتفه الأسباب؛ بل هم متسامحون مع أنفسهم، ومع الناس، يلتمسون لهم الأعذار في أفعالهم.
الطيبون، يريدون أن يعمر المكان والزمان بحب الله، والانقياد له في كل أمر وفي كل فعل. الطيبون ليسوا ساذجين، ولا مغفلين؛ بل هم سادة زمانهم، وأولياء عصرهم، أحبوا الله بكل جوارحهم، فرزقهم الله حبه، وطيب لهم قلوبهم، وأراد لهم الخير، وأراحهم من التدبير.
جُل مصائب الطيبين، وانزعاجهم في بعد أهل عصرهم عن الله، ومحاولة من حولهم الاستهزاء بهم وتسفيه أفكارهم، ومعتقداتهم، فهذا يدخلهم في عزلة عن مجتمعهم؛ فتجدهم يشكون من كثرة الفساد، وعدم قدرتهم على التوافق مع خبث مجتمعهم المحيط بهم؛ مما يحمِّلهم أعباء فوق طاقتهم تجعلهم عرضة للإصابة بالأمراض النفسية أو الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي، والتي يفسرونها هم بأنها بلاء من الله؛ ليكفر عنهم سيأتهم ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي في أعناقهم.
يتقبلونها ولكن بشيء من العزلة الاجتماعية، والبعد عمَّا يؤثر في نفوسهم، ويشغل قلوبهم؛ فيراه الناس اكتئابًا، أو مرضًا نفسيًا، ولكنه من العلاجات النبوية الشريفة، حينما سأله الصحابي عن الزمن الذي تحدق فيه الفتن بالناس ماذا يصنع، فقال: «أمسِك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك»، فهم يعرفون من الله ما لا يعرفه غيرهم، ويفهمون عنه ما لا يفهمه غيرهم، ولهم مع ربهم أحوال دقيقة لا يفهمها العامة، ولا يستطيعون.
وأختم هنا بدعاء النبي صل الله عليه وسلم: "اللهم أحيني مسكينًا وأمِتني مسكيًا، واحشرني في زمرة المساكين».