البث المباشر الراديو 9090
د. علي عبد الراضي
إذا انكسر القلب، فمن الصعب أن تلتئم جراحه، وتُرمَّم شقوقه؛ القلوب خلقها الله هكذا، إذا مات منها جزء لا يعود إلى الحياة، ولا تتجدد خلاياه.

وفي انكسار القلوب، أمور لا يعلمها إلا من جرَّبها وخَبِرَها؛ فالقلب كائن حي يعيش داخلك؛ يرى، ويسمع، ويخاف، ويسعد، ويتحسر، ويشرب «واُشرِبوا في قلوبهم العجل»، هذا الكائن الذي يعيش داخلك لا يكون أبدًا في معزل عن مجريات حياتك، وأحداثها المُتشابكة، فهو يحمل همومك، ويفكر فيك، قد تنام أنت وهو لا، قد تستريح أنت وهو لا، دائمًا مُنشغل بهمومك يحملها داخله.

القلب هو الذي يعبر عنك في أدق حالاتك النفسية، والمعنوية، فعندما تضحك ضحكة صافية تجد من حولك يقولون إنك تضحك من قلبك، وحينما تكون حزينًا تجد من حولك يقولون «قلبه شايل الهم» فمتى يستريح هذا القلب؟!

حتى حالتك الطبية والصحية، أول ما يتأثر بها هو القلب، أي تغير ولو بسيط كإفراز هرمون مثلًا، أو تغير في ضغط الدم، تجد قلبك ينزعج ويصرخ بشدة، ويظهر ذلك في تغير سرعة ضربات قلبك.

القلب هو جدار كامل تُنقَش عليه أحداث حياتك كلها وما يُصاحبها من مشاعر الفرح، أو الحزن، أو الانكسار، واليأس، أو الأمل، والتفاؤل، كل أحداث حياتك مُسجَّلة على جدار قلبك، وحينما ينكسر هذا الجدار لا يكون النزيف دمًا، ولا سائلًا؛ بل يكون النزيف عمرًا وزمنًا!

حينما يمس الخوف قلبك؛ فإنه يتصدَّع ويتحطَّم، حينها تدرك كم التداخلات العاطفية، والنفسية، والأفكار التي يجلبها لك هذا الارتطام «ولنبلونكم بشيء من الخوف»؛ لأنك في الحقيقة قلبك لن يصمد أو يتحمل كثيرًا من الخوف فيكون مع عظيم بلائك، وشدة هلعك وفزعك، أنك لم تُصَب إلا بشيء بسيط من الخوف، وهو المقدار الذي يستطيع قلبك تحمله «لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها».

يُجرَح قلبك وتظهر فيه الشقوق؛ فتجد أن كل صاحب عين خبيرة، يرى ما أنت فيه، فتجد من يقول لك «سيبها لله.. أنت مالك حزين»، هكذا تظهر شقوق قلبك من داخلك وتظهر عليك آثار الانكسار؛ ذلك لأن القلب إذا تألم بات كل ما فيك يتألم ويبكي، حتى وإن أخفت تعابير وجهك عمق هذا الألم الذي تشعر به.

إن الله بصير بك يعرف ما تعانيه من ألم، ويرى كيف تجاهد نفسك للتغلب على هذا الشعور، ويعرف ما تقاسيه لكي تخفي هذا الألم الكبير عمن حولك، لذلك فهو لن يتركك أبدًا، ولن يتخلى عنك أبدًا، ولسوف يأتيك بالفرج القريب العاجل، والنصر المبين المؤيد، ولكن صبرًا أيها القلب «ربنا أفرغ علينا صبرًا»، ومعنى الإفراغ أن ينفد الشئ وكأنك تقول لله أعطني كل الصبر حتى وإن لم يبقى لي من صبر آخر لكي أستطيع تحمل ما أنا فيه من ألم «هنالك ابتُلِي المؤمنون وزُلزلوا زلزالًا شديدًا».

ابتلي مَن؟ المنافقون، أو الكافرون، والمجرمون، أو العاصون؟! لا أبدًا؛ وإنما ابتُلِى المؤمنون، فهنيئًا لك أول نور يدخل إلى شقوق قلبك المنكسر بأنك من المؤمنين، ثم يصف الله شدة بلائهم بكلمة تخلع القلوب يقول «زلزلوا» هل تعرف الزلزال؟! هل مررت به؟! هل رأيت أثاره التدميرية على الأرض من وجود تشققات وتصدعات؟!

هل تعلم أن جبالًا تختفي وبحيراتٍ أيضًا؟! وأن قرى بأكملها، ومدنًا تصبح شيئًا من الماضي بمبانيها وسكانها؟! وليس هذا زلزالًا عاديًا - يا سادة - بل يقول رب العزة "زلزالًا شديدًا"، وعبَّر عنه بالمفعول المطلق في شدته أي أن شدته بلغت حد الإطلاق، وعلى الرغم من ذلك كله، تحملت هذا الألم، الذي حطم فؤادك، وثبَّت الله قلبك، حتى تفوز مثلما فازوا، وترقى إلى المعالي التي وصلوا إليها.

صدقني، يا صاحب القلب المكسور المُحطَّم، أنت تخاف، وتتألم وتتعذب في دنيا لا تساوي عند الله أكثر من ساعة من النهار، أو يوم، أو بعض يوم، في مقابل أن تحظى بأبدية المجد الأسمى الذي لا يُضاهيه مجد، ولا شرف؛ جنة عرضها السموات والأرض أُعِدت للمتقين الزاهدين في أفراح الدنيا وملذَّاتها، والذين أصبحت أنت منهم الآن، بصبرك على هذا البلاء «فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا».

هنيئًا لكل قلب انكسر، وتحطَّم، حتى وإن مات على ذلك. هنيئًا لك متألم صابر ومحتسب. هنيئًا لكل مُعذَّب في الدنيا يرجو الآخرة، "ألا إن نصر الله قريب".. ألا إن ساعة الفرج لأتية.. ألا إن الموعد الجنة.. صبرًا «إن مع العسر يسرًا».. «لا تحزن إن الله معنا».

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز