د. علي عبد الراضي
من يتأمل كيف تروج منصات التواصل، وإعلاناتها الموجهة، لهذه المفاهيم والمعتقدات؛ سيجد أن مفهوم السعادة، الذي يتم الترويج له بها مشوَّهًا، ومغلوطًا، وناقصًا!
تروج وسائل التواصل الاجتماعي لمفهوم السعادة بثلاث طرائق؛ إما من خلال الحصول على الأشياء المادية، أو القيام بتجارب فاخرة، أو التركيز على الإنجازات الفردية.
الحصول على الأشياء المادية من أسباب السعادة، ويكون من خلال حياة الرفاهية بكثرة السفر، وركوب السيارات الفاخرة، وارتداء الملابس الغالية، والسكن في المنازل الراقية، بمعنى أن السعادة مرتبطة بالأشياء الثمينة والغالية.
وكأن الشخص الذي يكون متوسط الدخل ليس سعيدًا، أو من لا يمتلك القناعة بما عنده والرضا بحياته ليس سعيدًا، وهذا ترويج مشوَّه لمفهوم السعادة، قاصر على النظرة المادية. والسعادة عند هؤلاء، هي حاصل ما تمتلك من المادة والسلع الغالية، بمعنى أن قيمتك في ما تملكه من مادة.
الطريقة الثانية؛ هي الترويج لأن تكون السعادة بعمل تجارب فريدة؛ مثل السفر لمكان غريب، أو القيام بمغامرات غريبة أو تناول الطعام في المطاعم الفاخرة، أو التصوير مع مشاهير شبكات التواصل والمؤثرين، وكأن الأشخاص الذين لا يعيشون تجربة فريدة ليسوا سعداء، أو الأشخاص الذين يحبون العلم والقراءة والمعرفة ليسوا سعداء، أو الأشخاص الذين يهتمون بأسرهم وتربية أبنائهم ليسوا سعداء، أو الأشخاص الذين لديهم هواية يمارسونها ليسوا سعداء، وهذا ترويج مشوه لمفهوم السعادة كذلك، وهم مقلدون لغيرهم مُتبعين، وذلك دليل على ضعف الثقة بالنفس، وسوء تقدير للذات.
أما الطريقة الثالثة؛ فهي أن السعادة في الإنجاز الفردي، من خلال الحصول على ترقية في الوظيفة أو تحقيق هدف رياضي أو غذائي، أو التركيز على الذات وتقديمها على الآخرين بكل الأحوال، حتى لو كان تقديم النفس على الوالدين، أو الأسرة، والأولاد، فقد صار الجسد يُعبد من خلال كثرة الترويج عن الجسم المثالي، والجسد الجذاب، والشكل المثالي، والابتسامة المثالية، فصار كل شخص يكره جسده، ويشك بجماله، ويريد أن يكون مثل فلان أو فلانة، فازداد القلق والتوتر والاكتئاب، بسبب التركيز على الإنجاز الفردي، فصار كل شيء يروج له يكون مثاليا حتى العلاقات تكون مثالية، ولهذا تلاحظ أن حسابات المشاهير دائما تظهرهم وهم يبتسمون أو يضحكون أو يرحبون بالمحبين والمتابعين، وكأن حياتهم كلها عبارة عن علاقات مثالية.
حتى الإعلانات في هذه المنصات، تركز على ربط المنتجات التي تروج لها بمفهوم السعادة، فيتم استخدام المشاهير للترويج للمنتجات وهو سعداء باستخدام هذا المنتج، وينقلون مشاعرهم الفرحة للمتابعين حتى يشتروا المنتج ويعيشوا تجربة السعادة، بل حتى عدد المتابعين والمشاركين في الحسابات تم ربطه بمفهوم السعادة، وكأنه كلما كثر متابعين الشخص كلما كان أكثر سعادة.
وسائل التواصل، غالبا تركز على السعادة الفورية والمؤقتة وليست السعادة الدائمة، حتى صار المتابعين الذين تأثروا بهذه الأفكار الترويجية لمفهوم السعادة الرقمية يشعرون بالنقص والتوتر والقلق، وبعضهم اختلت منظومة القيم والمبادئ عنده، فصار ينظر للسعادة على أنها مؤقتة، وليست دائمة، وأن السعادة في الأشياء المادية وليست في المعنوية، وأن السعادة في الأشياء الغالية وليست التي يحتاجها الإنسان، وأن السعادة مرتبطة بالدنيا وليس الدنيا والآخرة، وأن السعادة تأتي من الخارج وليست من الداخل، كل هذه المفاهيم تم تجاوزها من خلال الترويج الخاطئ لمفهوم السعادة الرقمية.
إن قوة الإيمان وزيادته، والتوازن بين احتياجات الجسد والروح وتعزيز خلق الرضا والقناعة عند الإنسان، هذه الثلاثية هي التي تحمي كل متابع لشبكات التواصل الاجتماعي، وتحمي أفكاره وقيمه لمفهوم السعادة الحقيقية، وهي أن السعادة تنبع من الداخل لا من الخارج.
أخيرًا، كل شعور وأفكار وسلوكيات، تخدم الإنسان دون انتظار مكسبًا ماديًا تخلق حالة من السعادة.