وليد عتلم
أبرز ما جاء في الرسالة الديمقراطية أن تصريحات ترامب، وتوجهاته، من شأنها الإضرار بمكانة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تشهد تراجعًا بالفعل، وأن هذه التوجهات لا يمكن الدفاع عنها أخلاقيًا، وأن تصريحات الرئيس تعرض القوات الأمريكية في الخارج للخطر، وتؤدي إلى زيادة انتشار الإرهاب.
هذه الرسالة مفادها، وموجزها ضرورة إنقاذ "الحلم الأمريكي"، والذي يتعرض لاختبار حقيقي مع توجهات، وسياسات ترامب، وإدارته داخليًا، وخارجيًا؛ الحلم الأمريكي الذي تم الترويج له عالميًا على أنه النموذج المثالي للقيم الديمقراطية المتمثلة في الديمقراطية التعددية، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة، واحترام قواعد القانون.
مع حديث الرئيس الأمريكي عن التهجير القسري لنحو 2.2 مليون فلسطيني، لم يعد لـ الولايات المتحدة الحق في أن تقدم نفسها للعالم على أنها منبر الحقوق والحريات واحترام السيادة الوطنية للدول والقواعد الأخلاقية للقانون الدولي الإنساني، الحلم الأمريكي تحول لكابوس. وعندما سُئل ترامب عما يسمح له وللولايات المتحدة بالقيام بذلك، قال السلطة الأمريكية، وهو ما يعكس غطرسة أمريكية متزايدة.
عرفًا وقانونًا لا يمكن للولايات المتحدة أن تسيطر على غزة إلا بموافقة سلطة السيادة صاحبة الولاية على القطاع، ولا تستطيع إسرائيل أن تتنازل عن غزة للولايات المتحدة، وقد قضت محكمة العدل الدولية بأن غزة أرض محتلة، وأن هذا الاحتلال غير قانوني بموجب القانون الدولي.
ولكي يحدث هذا قانونيًا، يتعين على ترامب أن يحصل على موافقة فلسطين، والشعب الفلسطيني للسيطرة على غزة، لكن هناك عقبة رئيسية تواجه الطموح، والجموح العقاري للرئيس الأمريكي، ومعه اليمين المتطرف في إسرائيل؛ هذه العقبة هي الشعب الفلسطيني نفسه. والتاريخ لا يكذب ولا يتجمل فيما يتعلق بمخططات ومحاولات التهجير والتوطين والوطن البديل، فهذه المخططات لها تاريخ طويل، ولكنَّ الفلسطينيين أحبطوا هذه المخططات في كل مرة.
وليس هناك من سبب يجعل الأمر مختلفًا هذه المرة. خصوصًا مع الرفض المصري الأردني التام لهذا الطرح، والمدعوم بممانعة عربية دولية، وحتى شعبية أمريكية.
وقانونًا، فإن ما يسعى إليه الرئيس الأمريكي يمثل انتهاكًا تامًا لجميع القواعد القانونية والأخلاقية للقانون الدولي الإنساني؛ وهو بمنزلة جريمة حرب مُتكاملة الأركان.
وفقًا لما نصت عليه اتفاقيات جينيف وإعلان روما، أحد أهم الالتزامات التي تقع على عاتق القوة المحتلة تنظمه المادة 49 من اتفاقيات جنيف التي تحظر على القوة المحتلة نقل، أو إبعاد الأشخاص قسرًا من إقليم ما.
وبموجب القانون أيضًا، فإن جميع الدول ملزَمة بعدم مساعدة القوة المحتلة في انتهاك القانون الإنساني الدولي.
وهذا يعني أنه إذا أرادت الولايات المتحدة نقل سكان غزة بالقوة، فقانونًا، ممنوع على إسرائيل المساعدة في هذا الإجراء، وكذلك، يحظر على الولايات المتحدة مساعدة إسرائيل في انتهاك تلك القواعد.
وترامب يعمل على ممارسة التطهير العرقي في غزة لأنه يقوم على إزالة الشعب الفلسطيني من منطقة جغرافية معينة بالقوة والترهيب.
والأكثر سوءًا في تصريحات الرئيس الأمريكي - سواء تحققت أم لم تتحقق - هو أن مثل هذه التصريحات، وطريقة اللامبالاة التي يتم الحديث بها عن انتهاك السيادة الوطنية للدول والأقاليم، وكسر قواعد القانون الدولي بمثل هذه السهولة من دولة من المفترض أنها راعية للحقوق والقواعد - يعطي انطباعًا بأن هذه القواعد يمكن كسرها بسهولة، حتى لو لم يكسرها بنفسه، ويفتح الباب أمام حالات مشابهة في العديد من مناطق العالم، ولعل المثال الأبرز في هذا السياق الصين وتايوان. على النحو الذي يشكل تهديد للسلم والأمن الدوليين، ويهدد الأساس القانوني الذي قام عليه النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية.
سياسيًا، أتفِق مع ما ذكره خطاب نواب الكونجرس وهو أن هذه التصريحات والتوجهات قد تشكل محفزًا رئيسيًا لانتشار الإرهاب، فخلاصة ما يحدث يشكل محفزات ومحركات قوية لدورات مستقبلية من العنف والإرهاب.
ومن الممكن بالنسبة لكثيرين، وخصوصًا الشباب في مختلف أنحاء العالم، أن يُنظَر إلى العنف في المستقبل بكونه شكلًا مشروعًا من أشكال المقاومة.
وإذا كان الرئيس الأمريكي يرى في طرحه أنه يشكل ركيزة لتحقيق السلام؛ فالسؤال من الجانب العكسي، وبعد عام ونصف من النار والدمار؛ هل أصبحت إسرائيل أكثر أم أقل أمنًا؟ وهل يحقق طرح التهجير أمن إسرائيل المزعوم؟!
التاريخ يُجيب أيضًا، على هذه الأسئلة بأن أي حلول أو طروحات لا تضمن الحقوق الفلسطينية المشروعة والعادلة في إطار حل الدولتين؛ لن يحقق أمن إسرائيل الذي تبحث عن الولايات المتحدة بأي حال من الأحوال. على العكس؛ فمن المرجح أن تجد إسرائيل نفسها في وضع أكثر خطورة من أي وقتٍ مضى!