وليد عتلم
تختلف آليات الاختيار من حزب إلى آخر؛ فبعض الأحزاب تلجأ إلى الانتخابات الداخلية التمهيدية، فتمنح أعضاءها، ومؤيديها فرصة اختيار المرشحين؛ ما يعزز شرعيتهم الجماهيرية، ويعكس قدرًا أكبر من الديمقراطية الداخلية.
وفي المقابل، تفضل بعض القيادات الحزبية أسلوب التعيين المباشر، معتمدة على سلطة نُخَبها في تحديد من يصل إلى السباق الانتخابي؛ وهو خيار قد يحقق بعض التوازن أو الكفاءة، ولكنه يفتح الباب أيضًا، أمام تركّز السلطة والصراعات الداخلية. وهناك من يعتمد نظامًا وسطًا، يوازن بين الديمقراطية الداخلية، والانضباط الحزبي، من خلال تفويض هيئات منتخبة داخل الحزب لاختيار المرشحين.
ولعل الطريقة التي يختار بها الحزب مرشحيه تنعكس بوضوح على أداء البرلمان ذاته، فكلما زادت المشاركة في الاختيار؛ ارتفعت مستويات الانضباط الحزبي والالتزام السياسي، وتكوّنت علاقة أوثق بين النائب ودائرته. وعلى العكس، فإن اعتماد القرارات المركزية؛ يُضعِف من روح المساءلة والمسؤولية أمام القواعد الجماهيرية. كما أن هذه الآليات تسهم في تشكيل صورة الحزب لدى الجمهور، فبينما يُنظَر إلى الأحزاب المنفتحة كمؤسسات ديمقراطية قابلة للتجدد، تظهر الأحزاب المغلقة كنخبويّة، ومفصولة عن الشارع!
في هذا السياق، يُعد تمكين الشباب داخل البرلمان خطوة حاسمة في تجديد الحياة السياسية. فعلى الرغم من أن الشباب يشكلون النسبة الأكبر من سكان مصر، إلا أن حضورهم البرلماني ظل محدودًا لفترات طويلة؛ نتيجة لعوامل تتراوح بين ضعف انخراطهم في السياسة التقليدية، وشعورهم المتنامي بالتهميش داخل منظومة سياسية تميل إلى تكرار الوجوه والرموز القديمة. ولكن السنوات الأخيرة شهدت تحولات نوعية، لا سيما منذ التعديلات الدستورية في 2014، و2019، والتي ضمنت حصصًا برلمانية للشباب.
وقد تبع ذلك تعديلات تشريعية مهمة مثل القانون رقم 140 لسنة 2020، والذي أسهم في رفع نسبة تمثيل الشباب إلى ما يفوق 30% من أعضاء مجلس النواب، بعد أن كانت لا تتجاوز 15% في أفضل الأحوال خلال العقد الماضي.
إلى جانب التمكين القانوني، عملت الدولة على إطلاق برامج تدريب وتأهيل سياسي للشباب، بما يضمن إعداد جيل جديد يتمتع بالكفاءة والقدرة على العمل البرلماني الفاعل. وبهذا، لم يعد التمكين مجرد إجراء صوري؛ بل أصبح استراتيجية تعكس إيمانًا بقدرة الأجيال الجديدة على المساهمة في صنع القرار. هذا التحول أفضى إلى نتائج ملموسة، ليس فقط على مستوى الأداء البرلماني؛ بل في إعادة بناء الثقة بين الشباب، ومؤسسات الدولة. فالدول التي تعطي للشباب أدوارًا حقيقية داخل برلماناتها تُظهر مؤشرات ثقة أعلى في استطلاعات الرأي،، وتنجح في إرساء سياسات أكثر توازنًا وعدالة.
لكن على الرغم من هذه الخطوات الإيجابية، يظل التحدي الأكبر في الانتقال من التمثيل الرمزي إلى المشاركة الفعلية. فلا يكفي أن يُخصص نسبة للشباب في البرلمانات، بل لا بد من خلق بيئة حزبية تسمح له بالمشاركة والتأثير وصياغة الرؤى. وهنا يأتي الدور الحاسم للأحزاب في إعادة النظر في بنيتها الداخلية، وفتح قنوات حوار حقيقية تتيح للشباب التعبير عن تطلعاتهم. فالأجنحة الشبابية داخل الأحزاب لا ينبغي أن تكون مجرد واجهات شكلية، بل يجب أن تُمنح المساحة والدعم لتقديم المبادرات وبناء كوادر قيادية قادرة على التأثير.
إن بناء برلمانات متجددة وقادرة على التعبير عن هموم الناس وطموحاتهم يتطلب جهدًا جماعيًا من الدولة، الأحزاب، والمجتمع المدني؛ فالدولة مطالبة بمواصلة تحديث منظومتها القانونية، وتعزيز سياسات المتابعة والتقييم خاصة تلك المتعلقة بالأحزاب السياسية، ووفقا لما انتهت إليه المناقشات في جلسات الحوار الوطني.
وأكرر مرة أخرى، وأجدد دعوتي - وكما طالبت علانية في إحدى جلسات الحوار الوطني - بضرورة صياغة قانون جديد للأحزاب السياسية يتسق، ومفردات الواقع الحالي. على الجانب الآخر تحتاج الأحزاب إلى مراجعة آلياتها التنظيمية لجعلها أكثر انفتاحًا، وشفافية.
أما الشباب، فعليهم اغتنام هذه اللحظة التاريخية؛ للمشاركة الفاعلة، من خلال التنظيم، والمبادرة، والانخراط الواعي في العمل السياسي.
هنا دمج سياسات التمكين مع تطوير آليات الاختيار الحزبي يشكل رؤية استراتيجية لمستقبل أكثر عدلًا وتمثيلًا، حيث لا يكون البرلمان مجرد انعكاس لموازين القوى التقليدية؛ بل منصة لصوت كل مواطن، وخاصة الشباب الذين يمثلون طاقات الحاضر، والمستقبل.
المطلوب الآن أن نخطو نحو مشاركة شبابية برلمانية فاعلة تتجاوز التمييز الإيجابي؛ حيث تشكِّل الانتخابات النيابية المقبلة فرصة لبدء مرحلة جديدة من تمكين الشباب، حيث ينبغي الانتقال من مرحلة التمييز الإيجابي إلى تعزيز المشاركة الفعلية، والمؤثرة.
وقد حان الوقت للتركيز على زيادة تمثيل الشباب في المجالس النيابية ليس فقط، من خلال القوانين؛ بل عبر مشاركة واعية، وفاعلة تعكس هذه الحالة الإيجابية من التمكين.