البث المباشر الراديو 9090
وليد عتلم
الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي كامتداد للنظرية الواقعية التقليدية الكلاسيكية التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

الافتراض الأساسي للواقعية هو انتشار الفوضى في العلاقات بين الدول؛ ووفقًا للواقعيين، فإن القانون الدولي عمليًا لا يفرض قيودًا مباشرة تُذكر على سلوك الدول، ويعود ذلك جزئيًا إلى انعدام إمكانية تطبيقه تقريبًا، ففي غياب قوة أو حكم فوق الدولة، لا توجد قواعد سلوك قابلة للتنفيذ، وخاصة بالنسبة للدول القوية.

وتتسم البيئة القاسية بين الدول بالفوضوية، سواءً بالمعنى الدقيق للكلمة، أي غياب القانون الدولي القابل للتنفيذ، أو بالمعنى الأوسع، أي كونها فوضوية عنيفة، كما يتطلب انتشار هذه البيئة بدوره أن يكون البقاء والأمن الهدفين الرئيسيين للدول كل على حدة.

جادل الواقعيون بأن انتشار الفوضى في نظام الدولة يتطلب من الدول أن تسعى جاهدةً وراء مصالحها الخاصة. ولأن أفضل سبيل لتحقيق الأمن في ظل الفوضى هو القوة (عسكريًا واقتصاديًا)، فإن الاعتماد على الذات يؤدي بطبيعة الحال إلى سلوكٍ قائم على تعظيم القوة. لذا، في نظام الدولة الفوضوي، يُعدّ سلوك تعظيم القوة هو السلوك الطبيعي لجميع الدول.

أما الواقعية الجديدة انتهت إلى تيارين رئيسين؛ الأول: الواقعية الدفاعية ويمثلها في عالم اليوم الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة ترامب، هذا التيار يرى أن الحروب لا تحقق أرباحًا للدول أو مكاسب استراتيجية، ومن ثم فالقوة العسكرية يجب استخدامها بشكل محسوب وحذر، والاستعاضة عنها بأدوات الردع الاقتصادية والدبلوماسية.

بينما تيار الواقعية الهجومية، والنموذج الأبرز له إسرائيل تحت قيادة اليمين المتطرف بزعامة بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير، تقوم على أن الحرب واستخدام القوة العسكرية، حتى وإن لم يحقق مكاسب على المدى القصير، إلا أنه يحقق مكاسب استراتيجية كبيرة في المدى البعيد، وأن القوة العسكرية هي الأداة الرئيسية إن لم تكن الوحيدة لتحقيق التفوق الاستراتيجي والنفوذ والهيمنة. لكن ما بين الواقعية التقليدية والجديدة فالصراع الدولي هو نتيجة حتمية وطبيعية للفوضى، هو صراع القوة من أجل القوة.

على العكس من الواقعية وتطبيقاتها الكلاسيكية والحديثة، جاءت كل من المدرسة الليبرالية والنيو ليبرالية - وهي اتجاهات سابقة للواقعية والواقعية الجديدة - للتأكيد على القيم المثالية الأخلاقية والقانونية، التي تعلي من دور القانون الدولي واحترام السيادة الوطنية للدول، وعالم بعيد عن الفوضى تحكمه القواعد والمُثل الأخلاقية المشتركة بين الشعوب، وأن التعاون بين الدول يخلق فرص كبيرة لعالم أكثر استقرارا.

لكن لماذا هذه المقدمة التي هي في الواقع حقيقية أكثر منها نظرية؟ التقديم على هذا النحو كان ضروريا لنعلم في أي واقع وأي عالم اليوم نعيش. ففي عالم تحكمه الواقعية في أسوء تطبيقاتها وأكثرها عنفًا وصراعًا؛ تقف مصر وحدها ممثلة لقيم الأخلاق والقانون على مستوى النظام الدولي والإقليمي.

ومصطلحات مثل "مصر تمارس سياسة شريفة في زمن عز فيه الشرف" و "مسافة السكة" لم تأت على سبيل الديباجة أو الاصطلاح الخطابي، لكنها جسدت منهج عمل رئيسي، ومبادئ مانعة جامعة لبرنامج السياسة الخارجية المصرية في إدارة علاقاتها الدولية والإقليمية. المكون الأخلاقي القانوني في سياسة مصر الخارجية هو مكون أصيل، رغم هيمنة مفهومي القوة والمصلحة على التوجهات الدولية.

فمصر لا تتآمر، ولا تستثمر في الأزمات والصراعات في دول الجوار، والثوابت المصرية الراسخة لا تتغير أو تتبدل تبعًا للمصالح الآنية الضيقة، ورغم ما يثار أحيانًا من مزايدات أو محاولات للتشكيك، رسميًا أو شعبيًا من هنا أو هناك يبقى السياق الأخلاقي للتوجهات المصرية حاكمًا، نمد يد التعاون والشراكة للجميع بنوايا خالصة للتعاون القائم على تحقيق المكاسب للجميع. لذلك مصر هي أول من يبني وآخر من يهدم.

أما المكانة فهي لا تُطلب، ومكانة مصر راسخة متجذرة بمحددات التاريخ والجغرافيا السياسية، وحرصها الدائم على تغليب صوت العقل والحوار في مواجهة الأزمات هو تجسيد لتلك المكانة الراسخة، والدور المصري لا يحتاج إلى ترويج، فهو فارض لنفسه وحضوره ثابت. وفي كل مرة تتعاظم فيها التحديات ليس لكم إلا مصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز