البث المباشر الراديو 9090
وليد عتلم
أسابيع قليلة تفصلنا عن انطلاق الماراثون الانتخابي النيابي بفتح باب الترشح لانتخابات مجلس الشيوخ.

وفي ظل التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم، ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، وما ينجم عنها من تحديات اقتصادية واجتماعية، يبرز التساؤل المهم: ماذا نريد من البرلمان المقبل؟.


فالبرلمان ليس مجرد صانع للتشريعات أو جهة رقابية على أداء السلطة التنفيذية، بل هو أيضًا جسر للتواصل بين الشعب وصنّاع السياسات ومتّخذي القرارات، وهو صوت المواطن والمعبّر عن حاجاته وتطلعاته، ولكي يضطلع البرلمان القادم بمهامه، ينبغي أن يتسم بعدد من المحددات والصفات التي تضمن تحقيق التناغم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتعزز من تقدم الدولة.


أولًا، يتعيّن تعزيز الدور الرقابي للبرلمان على أجهزة الدولة ومؤسساتها التنفيذية، بحيث يكون النواب بمثابة الحارس الأمين المؤتمن على المال العام والأداء الحكومي، فلا يقتصر دورهم على كشف الأخطاء والتقصير، بل يمتد إلى رصد مظاهر الفساد ومتابعة أوجه القصور التي تهدد ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويُفترض أن يُمارَس هذا الدور بقدر عالٍ من الشفافية والمسؤولية، من خلال الآليات الرقابية المنصوص عليها في الدستور واللائحة الداخلية للمجلس.


ثانيًا، يجب على البرلمان أن يُحسّن جودة التشريعات، من خلال سن قوانين عادلة تحمي حقوق المواطنين وتواكب تطلعاتهم، ويجب أن يكون الهدف الأسمى للتشريع هو تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الحماية لكل فئات المجتمع، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة.

وفي هذا الإطار، من الضروري مراجعة القوانين المقيدة والمعيقة للتنمية والاستثمار والنمو، والعمل على تعديلها أو إلغائها، وسن تشريعات تُسهِم في خلق بيئة قانونية عادلة ومتوازنة.


ثالثًا، ينبغي أن تكون للبرلمان رؤية واضحة لاستكمال جهود القيادة السياسية في تمكين الشباب والمرأة، باعتبارهما القلب النابض للمجتمع، فتعزيز مشاركتهما في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يُعد خطوة محورية نحو بناء مجتمع متوازن ومتنوع، ويجب إصدار تشريعات تدعم مشاركة الشباب والمرأة في صنع القرار، وتوفير برامج تدريبية وفرص عمل متكافئة، بما يُسهم في تعزيز الابتكار وطرح حلول جديدة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية.


رابعًا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز التنمية والعدالة الاقتصادية. فمن الضروري إصدار سياسات اقتصادية تحقق التوازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية وحماية الطبقات ذات الدخل المحدود، ويجب على البرلمان مراقبة تنفيذ مشروعات التنمية والبنية التحتية، وتقييم أداء الجهات المنفذة لها.

كما أن سنّ تشريعات تدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يُعَد ضرورة، كونها تشكّل العمود الفقري لأي اقتصاد نشط، وتُسهم في توفير فرص العمل وتحقيق توزيع أكثر عدالة للدخل.


خامسًا، يُعدّ تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد من أهم ركائز البرلمانات الناجحة، ويجب أن يمتلك البرلمان آليات رقابية متقدمة لمحاسبة كل من يثبت تورطه في قضايا فساد، مع العمل بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني، التي باتت شريكًا أساسيًا في تتبع ومواجهة ممارسات الفساد، كما أن إشراك المواطنين في هذا الجهد، واستخدام الإعلام كوسيلة للكشف عن التجاوزات، سيُسهم في تعزيز الثقة في النظام الديمقراطي.


أخيرًا، ينبغي أن يكون البرلمان منصة حقيقية لسماع صوت المواطن، وتفعيل آليات المشاركة المباشرة وتنظيم جلسات استماع دورية داخل اللجان النوعية، سيمكن النواب من نقل مطالب وتطلعات الشعب إلى دوائر صنع القرار، وبهذا، لا يكون البرلمان جهة تشريعية منعزلة عن الناس، بل يتحول إلى حلقة وصل تعكس واقع المواطن واحتياجاته.


ختامًا، إننا بحاجة إلى برلمان ينبض بروح الوطن، ويكون على قدر التحديات التي تواجه مصر في هذه المرحلة الدقيقة، برلمان يُجسّد الإرادة الشعبية، ويعكس الهوية الوطنية بكل ما تحمله من عراقة وطموح، نريده صوتًا صادقًا للمواطن، حارسًا للدستور، وداعمًا لقيم الديمقراطية والعدالة، برلمان يؤمن بأن مستقبل مصر يُبنى بالتشريع الرشيد، والرقابة المسؤولة، والرؤية الطموحة نحو تنمية مستدامة ورقمنة شاملة، تصنع غدًا أفضل لكل المصريين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز