البث المباشر الراديو 9090
د. سامح خضر
لا يبدو قرار الحكومة الإسرائيلية تخصيص نحو 730 مليون دولار لتحسين صورتها عالميًا قرارًا اعتباطيًا؛ إذ تشير مجموعة من المؤشرات والتقارير الصحفية إلى تراجع التأييد الدولي لإسرائيل، وتزايد الانقسامات داخل الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة بشأن استمرار الدعم المطلق لها.

وقد رصد تقرير لإسحاق أرنسدورف ملامح انهيار الإجماع العابر للأحزاب حول دعم إسرائيل، مع صعود أصوات مناهضة لسياسات الدعم التقليدية بدأت تكتسب زخمًا ملموسًا داخل الحزبين الكبيرين، بل وامتدت إلى أوساط حركة "ماجا" نفسها.

ويطالب الجناح الليبرالي داخل الحزب الديمقراطي ـ المنحاز تاريخيًا لقضايا الحريات وحقوق الإنسان ـ بضرورة محاسبة إسرائيل على ممارساتها في قطاع غزة وجنوب لبنان، مع ربط المساعدات العسكرية الأمريكية بمدى التزامها بمعايير القانون الدولي وحقوق الإنسان، لاسيما بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وسياسات الاستيطان وتسليح المستوطنين في الضفة الغربية، وصولًا إلى الحرب الأخيرة على إيران.

وفي المقابل، بدأ الجناح التقليدي المرتبط تاريخيًا بمنظمة "إيباك" التنصل تدريجيًا من نفوذ المنظمة، سعيًا لاستقطاب القاعدة الانتخابية الجديدة المناهضة لسياساتها. ويعكس تقرير مجلس شيكاغو للشؤون الدولية الصادر في أكتوبر 2025 عمق هذه الفجوة؛ إذ يصنف 67% من القاعدة الشابة للحزب الديمقراطي أنفسهم باعتبارهم ليبراليين، بينما يرى نحو 69% منهم أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل مفرط ومبالغ فيه، كما يؤيد 74% منهم قيام دولة فلسطينية.

أما داخل أوساط الديمقراطيين الليبراليين، فقد بات الفارق بين مؤيدي ومعارضي قيام دولة فلسطينية ضئيلًا؛ إذ يؤيدها 47% مقابل 46% يعارضونها. وعلى صعيد الانتخابات التمهيدية داخل الحزب، تحولت مناهضة دور "إيباك" إلى استراتيجية انتخابية واضحة؛ إذ يعارض المنظمة 73 مرشحًا من أصل 102، يسعون لمنافسة أعضاء حاليين في الكونجرس ومجلس الشيوخ تلقوا دعمًا منها في السابق. وقد بدأ العديد من المتنافسين ينظرون إلى المنظمة باعتبارها عبئًا سياسيًا يجب التخفف منه لضمان القبول الشعبي، بدلًا من كونها بوابة للدعم المالي والسياسي كما كان الحال سابقًا.

في المُقابل، بدأت ملامح تصدع الدعم الجمهوري لإسرائيل في الظهور، مع بروز أصوات داخل القاعدة الجمهورية تتساءل عن جدوى الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل، وتأثير ذلك على توازن السياسة الخارجية الأمريكية، فضلًا عن تكلفة هذا الدعم في ظل الأزمات الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة. وأشار التقرير إلى أن نحو 33% فقط من القاعدة الانتخابية التقليدية للحزب الجمهوري ترى أن مستوى الدعم الأمريكي لإسرائيل مناسب.

بالتوازي مع تراجع مكانة إسرائيل داخل الحزبين الأمريكيين، تبدو الصورة أكثر قتامة داخل القارة الأوروبية؛ إذ كشف استطلاع للرأي أجرته قناة ZDF الألمانية ـ المعروفة بدعمها لإسرائيل ـ عن نتائج صادمة، حيث رفض 93% من المستطلعين التورط عسكريًا في الحروب الإسرائيلية بالشرق الأوسط، فيما أيد 77% وقف تصدير الأسلحة إليها. كما أشار استطلاع لمعهد PEW إلى تراجع حاد في التأييد لإسرائيل داخل 24 دولة، شملت عددًا واسعًا من الدول الأوروبية.

وتُعد هذه المؤشرات نتيجة طبيعية للسياسات المتطرفة التي اتبعتها الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، إذ ارتكب الجيش الإسرائيلي، بإيعاز من المستوى السياسي، جرائم حرب وحملات إبادة جماعية بحق الفلسطينيين والمدنيين العزل في قطاع غزة، فضلًا عن تصاعد وتيرة مصادرة الأراضي في الضفة الغربية، واتساع رقعة الاستيطان، وتشكيل ميليشيات مسلحة من المستوطنين برعاية حكومية.

إن هذه السياسات أعادت تشكيل الوعي العالمي، لا سيما لدى جيلي "زد" و"ألفا"، وهي معضلة لن تنجح ملايين الدولارات في تجميلها أو التغطية عليها، بل إن تغيير هذه الصورة يتطلب تبني منظومة قيم أخلاقية وحقوقية جديدة، تنهي الاحتلال الإسرائيلي، وتفرض احترام القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز