البث المباشر الراديو 9090
د. سامح خضر
في العام 1994، فتح المتطرف اليهودي باروخ غولدشتاين النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات الفلسطينيين. اعتبرت المنظومة الإسرائيلية الحادث آنذاك مجرد «سلوك فردي معزول» لا يعبر عن سياسة رسمية، رغم أن أدوات الدولة كانت مكرسة بالأساس لقمع الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت قبل ذلك بسنوات. وقبلها، في العام 1969، جرى التعامل مع إحراق المصلى القبلي في المسجد الأقصى على يد دينيس روهان بصفته حادثاً فردياً أيضاً، رغم الاحتفاء الضمني الذي أبدته أوساط اليمين حينها.

أسست هذه الحوادث التي وصفت بـ «الفردية» لنشوء ظاهرة الإرهاب اليهودي المنظم في الأراضي المحتلة؛ ما دفع جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) إلى تأسيس ما يسمى بدائرة الإرهاب اليهودي. غير أن أوامر الاعتقال الإداري التي صدرت حينها لم تكن سوى إجراءات شكلية تستهدف احتواء الخطر على صورة إسرائيل لا أكثر أمام الرأي العام الدولي، لا حماية الفلسطينيين الواقعين تحت خطره المباشر. ومع اعتماد سياسة «الباب الدوار» —حيث يدخل المتطرف من باب ليخرج من الآخر—تنامت الظاهرة وتجذرت في أوساط المستوطنين بالضفة الغربية على وجه التحديد؛ لتترجم عملياً في جريمة إحراق عائلة دوابشة وهم نيام، واختطاف الطفل محمد أبو خضير وحرقه حياً، فضلاً عن عشرات الاعتداءات اليومية التي تُغيب عن التغطية الإعلامية وتمر مرور الكرام.

ومع تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الأخيرة وارتهانه الكامل لليمين الفاشي والمسياني المتمثل في الإرهابيين بن غفير وسموتريتش، تحولت السياسة الرسمية تجاه عنف المستوطنين من المكافحة الصورية إلى الشرعنة والمأسسة؛ إذ أطلق وزير الأمن القومي بن غفير مبادرة تسليح واسعة للإسرائيليين أسست عملياً لميليشيات استيطانية مسلحة، بينما ألغى وزير الدفاع إسرائيل كاتس استخدام أوامر الاعتقال الإداري ضد المستوطنين. وبذلك، أزيلت كوابح الردع من عقيدة عمل جيش الاحتلال في الضفة الغربية، ليتحول الإرهاب الاستيطاني من اعتداءات فردية متفرقة إلى استراتيجية جماعية منظمة تستهدف تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم غير قابل للحياة، دفعاً لهم نحو الهجرة القسرية وإعادة تشكيل جغرافيا السيطرة.

أمام هذا التغول، بلغ اليأس بالفلسطينيين مبلغه وهم يواجهون بصدورهم العارية بطش الآلة العسكرية وهجمات الميليشيات الاستيطانية على أرضهم وممتلكاتهم، في ظل انكشاف الميدان أمام المستوطنين وسبات السياسة الذي غرقت فيه المؤسسة الفلسطينية.

هنا تحديداً تتبدى أزمة الفلسطينيين؛ فقد هرمت السلطة الفلسطينية، وتآكلت أدواتها النضالية حتى باتت آليات عملها غريبة عن الواقع المتسارع على الأرض. تمسكت السلطة بثوابت سياسية جامدة—في وقت تقوم فيه السياسة أصلاً على دراسة المتغيرات ومواءمة الردود—وتصالحت ضمنياً مع تنامي نفوذ اليمين المسياني الإسرائيلي وخضعت لسطوته؛ وهو ما منح هذا اليمين زخماً إضافياً في ظل غياب رادع رسمي أو شعبي منظم.

مفهوم ضمناً أن السلطة الفلسطينية، بتركيبتها وعقيدتها الأمنية والسياسية الحالية، لا تملك القدرة على مواجهة إسرائيل منفردة، وأن البيئة الجيوسياسية الإقليمية لا تشجع على مثل هذه المواجهة المباشرة. غير أن هذا العجز لا يعني أبداً أن أدوات العمل السياسي والشعبي قد استُنفدت بالكامل. فأمام هذا التغول الاستيطاني، آن للمؤسسة والفاعلين الوطنيين استعادة زمام المبادرة عبر تفعيل حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني، وإعادة فتح الأبواب أمام المتطوعين والنشطاء الدوليين ضمن حملات مدروسة. إن حماية القرى والبلدات المستهدفة بوجود دولي مدني ليس مجرد أداة إسناد ميداني، بل هو استراتيجية لنقل الصراع إلى فضاء أدبي وسياسي مختلف، يعيد رفع تكلفة الاحتلال الاستيطاني أمام الرأي العام العالمي ويعري بنيته الفاشية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز