البث المباشر الراديو 9090
د. سهى علي رجب
هناك مدن تبنى بالحجر، ومدن تبنى بالإرادة، ومدن تكتب لتكون شهادة على انتصار الإنسان على الجغرافيا والتاريخ معا، ومدينة العلمين الجديدة تنتمي إلى هذا النوع الأخير، فهي ليست مجرد مدينة ساحلية حديثة، وإنما قصة وطن قرر أن يحول واحدة من أكثر بقاع الأرض قسوة إلى واحدة من أكثرها إشراقا.

لعقود طويلة، ارتبط اسم العلمين بالحرب العالمية الثانية، وبالمعارك التي حصدت أرواح عشرات الآلاف من الجنود، وخلفت ملايين الألغام التي ظلت مدفونة تحت الرمال، تعيق التنمية وتحاصر المستقبل. كانت الأرض تحمل آثار الموت، بينما كانت مصر تحلم بالحياة.

واليوم، يقف الزائر أمام مشهد مغاير تماما.. أبراج حديثة تعانق السماء، وشوارع واسعة، وكورنيش عالمي، وجامعات، ومراكز ثقافية، ومناطق سياحية، وفنادق، ومرافق رياضية، ومدينة ذكية تعمل وفق أحدث النظم التكنولوجية.. لم تعد العلمين مجرد مصيف موسمي، بل أصبحت مدينة للحياة والعمل والاستثمار والسكن طوال العام، ونموذجا لفلسفة الجمهورية الجديدة التي تقوم على صناعة المستقبل لا انتظار الظروف.

لكن القيمة الحقيقية للعلمين الجديدة لا تتوقف عند الأبراج أو الطرق أو الشواطئ، وإنما تمتد إلى بعدها الثقافي والإنساني.. فكل مدينة تحمل رسالة، ورسالة العلمين تقول إن المصري قادر على تحويل المستحيل إلى واقع، وإن التنمية ليست أرقاما في تقارير، بل هي صناعة للأمل.

ومن هنا تبرز فكرة القوة الناعمة.. فكما تمتلك مصر حضارتها وآثارها وفنونها وأدبها، فإنها تمتلك أيضا مدنا حديثة تستطيع أن تقدم صورة جديدة عن الدولة المصرية.

والأهم من السائح الأجنبي هو المواطن المصري نفسه، خاصة الشباب والنشء.. فمن حقهم أن يروا بأعينهم ما تحقق على أرض وطنهم، وأن يشعروا بأن هذه المدن بنيت من أجلهم أيضا، وأن التنمية ليست أخبارا في نشرات التلفزيون، بل واقعا يمكنهم أن يلمسوه.

إن الانتماء لا يصنع بالخطب وحدها، وإنما بالمعايشة.. والاعتزاز بالوطن يزداد عندما يرى الشاب الإنجاز أمامه، ويتعرف إلى قصته، ويشاهد كيف تحولت أرض كانت مليئة بالألغام إلى مدينة تضاهي أجمل مدن العالم. وهذه الزيارات تخلق وعيا جديدا، وتعزز الثقة في قدرة الدولة على البناء، وتفتح آفاقا واسعة أمام الأجيال الجديدة.

ولذلك، فإن الوقت قد حان لتحويل العلمين الجديدة إلى مقصد ثقافي وتربوي، وليس سياحيا فقط.. فكما تنظم الدول رحلات مدرسية وجامعية إلى مشروعاتها القومية الكبرى، يمكن لمصر أن تجعل من العلمين الجديدة مدرسة مفتوحة للتنمية، يتعرف فيها الشباب على معنى التخطيط والإعمار، وعلى قيمة ما تحقق فوق هذه الأرض.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى بروتوكول تعاون بين وزارات الثقافة، والشباب والرياضة، والسياحة والآثار، لتنظيم رحلات منتظمة بأسعار رمزية للشباب والنشء، من خلال الهيئة العامة لقصور الثقافة ومراكز الشباب في جميع المحافظات.. لا تكون هذه الرحلات مجرد نزهة، بل برنامجا ثقافيا وتوعويا متكاملا، يجمع بين التعرف إلى تاريخ العلمين، وزيارة معالمها الحديثة، والاستمتاع بما تضمه من منشآت ثقافية وسياحية ورياضية.

مثل هذا البروتوكول سيكون استثمارا حقيقيا في بناء الإنسان، وسيضيف إلى القوة الناعمة المصرية بعدا جديدا، قوامه تعريف المصريين قبل غيرهم بما تحقق على أرض وطنهم.

لقد انتصرت العلمين على الألغام، وحولت ذاكرة الحرب إلى مستقبل للحياة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز