البث المباشر الراديو 9090
د. سهى علي رجب
الرصاصة لا تزال في جيوبنا.. لم تصدأ، ولم تنته صلاحيتها بانقضاء 53 عاما على حرب أكتوبر، ولم تدفن مع أبطالها الذين عبروا القناة تحت وابل النار، رصاصة أكتوبر ما زالت حاضرة، تنتقل من جيل إلى جيل، من الآباء الذين عاشوا الحرب إلى الأبناء الذين عرفوها من الحكايات والصور، ثم إلى أحفاد يتعلمون أن مصر حين أرادت أن تعبر، عبرت.

ليست المسألة حنينا إلى حرب مضت، وإنما استدعاء لروح ما زالت تسري في المصريين، روح الإرادة، والقدرة على تجاوز المستحيل، والوقوف في مواجهة التحديات حين يتعلق الأمر بالأرض والكرامة والأمن القومي، ولهذا لا تبدو أكتوبر ذكرى تاريخية بعيدة، بل حالة مصرية متجددة.

في أكتوبر 1973 واجهت مصر إسرائيل على جبهة القتال، واستطاعت القوات المسلحة عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، في واحدة من أهم صفحات التاريخ العسكري المصري، وبعد سنوات استعيدت سيناء كاملة، لتثبت التجربة أن الحرب يمكن أن تنتهي بالسلام، وأن السلام لا يلغي قوة الدولة ولا ذاكرتها ولا حقوقها.

واليوم، لا تزال مصر تتعامل مع إسرائيل باعتبارها طرفا رئيسيا في معادلة شديدة الحساسية، لكن ساحة المواجهة تغيرت، من الخنادق إلى السياسة والدبلوماسية والإنسانية، ومن عبور القناة إلى محاولة إنقاذ الإنسان الفلسطيني والحفاظ على القضية الفلسطينية حية في قلب العالم.

ومصر، بحكم التاريخ والجغرافيا والمسؤولية، هي أكثر الدول التصاقا بالقضية الفلسطينية، لم يكن موقفها من غزة مجرد بيانات سياسية، وإنما تحول إلى عمل يومي على الأرض، فمنذ اندلاع الحرب، ظل الهلال الأحمر المصري حاضرا عند الحدود، وواصل تنظيم قوافل "زاد العزة" إلى القطاع.

وفي أحدث حصيلة معلنة، وصلت القافلة رقم 289 إلى غزة في 4 أكتوبر 2026، حاملة أكثر من 3185 طنا من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية والوقود، فيما تجاوز إجمالي المساعدات التي جرى إدخالها عبر الجهود المصرية مليون طن، بمشاركة أكثر من 75 ألف متطوع.

هذه ليست أرقاما عابرة، مليون طن من المساعدات تعني أن مصر لم تكتف بأن تقول إن فلسطين في القلب، بل ترجمت القول إلى شاحنات، وأدوية، ودقيق، ووقود، ومستلزمات إيواء، وأيدي متطوعين.

هكذا تتغير وظيفة "الرصاصة" بمرور الزمن، كانت ذات يوم في بندقية جندي يعبر القناة، واليوم هي في ضمير المصري الذي يرى فلسطين قضية عدالة وإنسانية وأمن قومي.

الرصاصة لا تزال في جيوبنا، لكنها تعرف متى تطلق، ومتى تتحول إلى كلمة، ومتى تصبح موقفا، ومتى تكون يدا تمتد بالغذاء والدواء إلى إنسان محاصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز